يا لهفَ نفسي فَاتَنِي معاويه ... فوق طمِرٍّ كالعقاب الضابيَهْ
وقدم عمروبن العاص من مصر على معاوية في بعض الأيام، فلما رآه معاوية قال:
يموتُ الصالحونَ وأنت ... حيي تخطاكَ المنايا لاتموتُ
فأجابه عمرو:
فلسْتُ بميتٍ مادمت حيّاً ... ولست بميت حتى تموت
وذكر أن معاوية لما نظر إلى معسكر أهل العراق - وقد. أشرفت وأخذت الرجال مراتبها من الصفوف - ونظر إلى عليّ على فرس أشْقَرَ حاسر الرأس يرتَبُ الصفوف كأنه يغرسهم في الأرض غرساً فيثبتون كأنهم بنيان مرصوص، قال لعمرو: يا أبا عبد اللّه، أما تنظر إلى ابن أبي طالب وما هو عليه. فقال له عمرو: مَنْ طلب عظيماً خاطر بعظيم.
بسر بن أرطاة:
وقد كان معاوية في سنة أربعين بعث بُسْرَ بن أرطاة في ثلاث آلاف حتى قَدِم المدينة وعليها أبو أيوب الأنصاري فتنحَّى، وجاء بُسْر حتى صعد المنبر وتهدَّد أهل المدينة بالقتل، فأجابوه إلى بيعة معاوية، وبلغ الخبر علياً فأنفذ حارثة بن قدامة السعدي في الذين ووهب بن مسعود في الذين، ومضى بُسْر إلى مكة، ثم سار إلى اليمن، وكان عبيد اللّه بن العباس بها، فخرج عنها ولحق بعده واستخلف عليها عبد اللّه بن عبد المَدَان الحارثي، وخلف ابنيه عبد الرحمن وقُثَم عند أمهما جويرية بنت قارظ الكناني، فقتلهما بُسْر وقتل معهما خالا لهما من ثقيف وقد كان بُسْربن أرْطَاةَ العامري - عامر بن لؤي بن غالب - قَتَلَ بالمدينة وبين المسجدين خلقاً كثيراً من خُزَاعة وغيرهم، وكذلك بالجرف قتل بها خلقاً كثيراً من رجال هَمْدَان، وقتل بصنعاء خلقاً كثيراً من الأبناء، ولم يبلغه عن أحد أنه يمالىء علياً أو يهواه إلا قتله، ونما إليه خبر حارثة بن قدامة السعدي فهرب، وظفر حارثة بابن أخي بُسْر مع أربعين من أهل بيته، فقتلهم، وكانت جويرية أمُّ ابني عبيد اللهّ بن العباس اللذين قتلهما بُسْرٌ تدور حول البيت ناشرة سَعْرها وهي من أجمل النساء وهي تِقول ترثيهما:
هامن أحَسَّ من ابنَىِّ اللذين هما ... كالدرتين تَشظّى عنهما الصدف
هامن أحَسَّ من ابنيَّ للذين هما ... سمعي وقلبي، فعقلي اليوم مختطَفُ
هامن أحَسَّ من ابنيَّ اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
نبئت بُسْراً، وما صَدَّقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذي وصفوا
أنحى على وَدِجَيْ ابني مرهفة ... مشحوذة، وكذاك الإثم يُقْتَرف
بين معاوية وعمرو بن العاص ووردان
وذكر الواقدي قال: دخل عمرو بن العاص يوماً على معاوية بعد ما كبر ودق ومعه مولاه وَرْدَانُ، فأخذا في الحديث، وليس عندهما غير وردان، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، ما بقي مما تستلذه. فقال: أما النساء فلا أربَ لي فيهن، وأما الثياب فقد لبست من لينها وجيدها حتى وهى بها جلدي فما أدري أيها الين، وأما الطعام فقد أكلت من لينه وطيبه حتى ما أدري أيها ألذ وأطيب، وأما الطِّيبُ فقد دخل خياشيمي منه حتى ما أدري أيه أطيب، فما شيء ألذ عندي من شراب بارد في يوم صائف، ومن أن أنظر إلى بنيَّ وبني بنيَّ يدورون حولي، فما بقي منك يا عمرو؟ قال: مال أغرسه فأصيب من ثمرته ومن غلًته، فالتفَتَ معاوية إلى وَرْدَانَ فقال: ما بقي منك يا وَرْدَانَ؟ قال: صنيعة كريمة سنية أعلقها في أعناق قوم ذوي فضل وأخطار لا يكافئونني بها حتى ألقى الله تعالى وتكون لعقبي في أعقابهم بعدي، فقال معاوية: تَبّاً لمجلسنا سائر هذا اليوم، إن هذا العبد غلبني وغلبك.
وفاة عمرو بن العاص:
وفي سنة ثلاث وأربعين مات عمرو بن العاص بن وائل بن سَهْم بن سعيد بن سعد بمصر، وله تسعون سنة، وكانت ولايته مصر عشر سنين وأربعة أشهر، ولما حضرته الوفاة قال: اللهم لا براءة لي فأعتذر، ولا قوة لي فأنتصر، أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فركبنا، اللهم هذه يدي إلى ذقني، ثم قال: خُنُوا لي في الأرض خَدّاً، وسُنُّوا علي التراب سنّاً، ثم وضع أصبعه في فيه حتى مات، وصَلّى عليه ابنه عبد اللهّ يوم الفطر، فبدأ بالصلاة عليه قبل صلاة العيد، ثم صلى بالناس بعد ذلك صلاة العيد، وكان أبوه من المستهزئين، وفيه نزلتَ " إن شانئك هو الأبتر " .