الفضلَ هي: السبق إلى الإيمان، والهجرة، والنصرة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، والقربى منه والقناعة وبذل النفس له، والعلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، والفقه والعلم وكل ذلك لعلي عليه السلام منه النصيبُ الأوفر، والحظ الأكبر، إلى ما ينفرد به من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آخى بين أصحابه أنت أخي وهو صلى الله عليه وسلم لا ضد له، ولا ند، وقوله صلوات الله عليه: " أنت مني بمنزلة هرون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " وقوله عليه الصلاة والسلام: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعَادِ من عاداه " ثم دعاؤه عليه السلام وقد قدم إليه أنس الطائر: اللّهم أدخل إلي أحَبَّ خلقك إليك لأكل معي من هذا الطائر، فدخل عليه علي، إلى آخر الحديث، فهذا وغيره من فضائله وما اجتمع فيه من الخصال مما تفرق في غيره، ولكل فضائل ممن تقدم وتأخر، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم، مخبر عن بواطنهم بموافقتها لظواهرهم بالإِيمان، وبذلك نزل اَلتنزيل، وتولى بعضهم بعضاً، فلما قبض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وارتفع الوحي حدثت أمور تنازع الناس في صحتها منهم، وذلك غير يقين، ولا يقْطَع عليهم بها، واليقين من أمورهم ما تقدم، وما روى مما كان في أحداثهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم فغير متيقن، بل هو ممكن، ونحن نعتقد فيهم ما تقدم، واللهّ أعلم بما حدث، واللّه ولي التوفيق.
/ذكر خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب
رضي الله عنهما
ثم بويع الحسنُ بن علي بن أبي طالب بالكوفة بعد وفاة علي أبيه بيومين، في شهر رمضان من سنة أربعين، ووَجه عُمّاله إلي السَّوَاد والجبل.
وَقَتَلَ الحسنُ عبدَ الرحمن بن مُلْجَم، على حسب ما ذكرنا، ودخل معاوية الكوفة بعد صلح الحسن بن علي، لخمس بقين من شهر ربيع الأول في سنة إحدى وأربعين.
وكانت وفاة الحسن - وهو يومئذ ابنُ خمسٍ وخمسين سنة - بالسم.ودُفن بالبقيع مع أمه فاطِمَةَ بنت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، والله ولي التوفيق.
ذكر لمع من أخباره وسيره
رضي الله عنه
سم الحسن رضي اللّه عنه
حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه عليِّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، قال: دخل الحسين عَلَى عمي الحسن بن علي لما سقي السم، فقام لحاجة الإنسان ثم رَجَع، فقال: لقد سقيت السم على مرار فما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين: يا أخي، مَنْ سَقَاك. قال: وما تريد بذلك. فإن كان الذي أظنه فاللهّ حسيبه وإن كان غيره فما أحِبُّ أن يؤخذ بي بريء، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى توفي، رضي اللّه عنه.
ذكر الذي سمّه
وذكر أن امرأته جَعْدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دسَّ إليها: إنك إن احتلْتِ في قتل الحسن وَجَّهت إليك بمائة ألف درهم، وزوَّجتك من يزيد، فكان ذلك الذي بعثها على سَمّه، فلما مات وَفَى لها معاوية بالمال، وأرسل إليها: إنا - نحب حياة يزيد، ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه.
وذكر أن الحسن قال عند موته: لقد حَاقَتْ شربته، وبلغ أمنيته والله لا وَفَى لها بما وَعَدَ، ولا صدق فيما قال. وفي فعل جعد يقول النَّجَاشِيُّ الشاعر، وكان من شِيعَةِ عليّ، في شعر له طويل:
جعدُ بَكِّيهِ ولاتسامي ... بَعْدُ بُكاء المُعْوِل الثاكل
لم يُسْبَل الستر على مثله ... في الأرض من حَافٍ وَمِنْ ناعل
كان إذا شبتْ لَهُ ناره ... يرفعها بالسند الغاتل
كيما يراها بائس مُرْمِل ... وفرد قوم ليس بالآهل
يغلي بنيء اللحم، حتى إذا ... أنضجه لم يغل من آكل
أعني الذي أسْلَمَنَا هُلْكه ... للزمن المستحرج الماحل
وفي ذلك يقول اخرمن شِيعَةِ علي رضي اللهّ عنه:
تأَسَّ فكم لك من سَلْوَة ... تُفَرِّجُ عنك غليل ا لْحَزَنْ
بموت النَّبيّ، وقتل ا لْوَصِيِّ، ... وقتل ا لْحُسَيْن، وسم الْحَسَنْ