وخير ذوي الهجرة السابقون ... ثمانية وحدهم نضرَهْ
علي وَعُثمان ثم الزبير ... وَطَلْحَة واثنان من زُهرهْ
وشيخان قد جَاوَرَا أحمداً ... وَجَاوَرَ قبراهما قبرهْ
فمن كان بعدهما فاخراً ... فلا تذكروا عِندهم فخرهْ
الخلاف في أول من أسلم
وقد اختلف في أول صن أسلم: فمنهم من رأى أن أبا بكر الصديق كان أول الناس إسلاماً، وأسبقهم إيماناً، ثم بلال بن رباحة، ثم عمرو بن عبسة، ومنهم مَنْ ذهب إلى أن أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال عَلِيّ، ومنهم مَنْ رأي أن أول من أسلم زيد بن حارثة حِبّ النبي صلى الله عليه وسلم و ثم خديجة، ثم عليِّ كرم الله وجهة، وقد ذكرنا ما اجتبينا من القول في ذلك فيما قدمنا ذكره من كتبنا في هذا المعنى، والله تعالى ولي التوفيق.
ذكر هجرته وجوامع مما كان في أيامه
صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وقت وفاته
أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وفرض عليه الجهاد، وذلك في سنة إحدى من سني الهجرة، وهي السنة التي نزل فيها الأذن، وكانت سنة أربع عشرة من المبعث.
وكان ابن عباس يقول: بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر عشراً، وقبض وهو ابنُ ثلاث وستين سنة.
تحديد الهجرة
وكانت سنة إحدى من الهجرة، وهي سنة اثنتين وتلاثين من ملك كسرى أبرويز، وسنة تسع من ملك هرقل ملك النصرانية، وسنة تسعمائة وثلاث وثلاثين من ملك الإسكندر المقدوني.
كيف فعل في الهجرة؟
قال المسعودي: وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط كيفية فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجه من مكة ودخوله الغار واستئجار علي له الإبل، وَنوْمه على فراشه؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، ومعه أبو بكر، وعامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أرَيْقِط الديلي دليل لهم على الطريق، ولم يكن مسلماً، وكان مُقَام علي بن أبي طالب بعده بمكة ثلاثة أيام إلى أن أدى ما أمر بأدائه، ثم لحق بالرسول صلى الله عليه وسلم.
دخول المدينة
وكان دخوله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فأقام بها عشر سنين كوامل، وكان نزوله عليه الصلاة والسلام في حال موافاته المدينَةَ بقَبَاء على سعد بن خَيْثَمَةَ وابتنى المسجد وكان مع أمه بقَبَاء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وسار يوم الجمعة ارتفاعَ النهار، وأتته الأنصار حيّاً حياً يسأله كل فريق منهم النزول عليه، ويتعلقون بزمام راحلته وهي تجذبه. فيقول عليه الصلاة والسلام: " خَلُّوا عنها فإنها مأمورة " حتى أدركته الصلاة في بني سالم، فصلّى بهم يوم الجمعة، وكانت تلك أول جمعة صليت في الإِسلام، وهذا موضع تنازع الفقهاء في العدد الذي تتم بهم صلاة الجمعة: فذهب الشافعي في آخرين معه إلى أن الجمعة لا تجب إقامتها حتى يكون عدد المصلين أربعين فصاعداً، وأقَلُّ من ذلك لا يجزي، وخالفه غيره من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم، وكانت صلاته في بطن الوادي المعروف بوادى رأنونَاءَ إلى هذه الغاية، ثم استوى على ناقته، فسارت لا تُعَرِّج على شيء، ولا يردها راد، حتى أتت إلى موضع مسجده عليه الصلاة والسلام، والموضع يومئذ لغلامين يتيمين من بني النجار، فبركت، ثم سارت فمضت غير بعيد، ثم عادت إلى مبركها فبركت وأطمأنت، والنبي صلى الله عليه وسلم يراعي أحكام الباري فيه، - وتوفيقه له، فنزل عنها، وسار إلى منزل أبي أيوب الأنصاري - وهو خالد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن سحيم بن مالك بن النجار - فأقام في منزله شهراً حتى ابتنى المسجد من بعد ابتياعه الموضعَ، وأحدقت به الأنصار واشتد سرورهم به، وأظهروا التأسف على ما فاتهم من نُصْرته، وفي ذلك يقول صرمة بن أبي أنس أحد بني عدي النجار من قصيدة:
ثَوَى في قريش بضع عشرة حجة ... يُذَكَرل ايلقى صديقا ًمواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يوفي، ولم ير داعيا
فلما أتانا أظْهَرَ الله دينه ... وأصبح مسروراً بطَيْبَةَ راضيا