وفي حسن السياسة ربح كثير من عمارة البلاد.فمن ذلك ان أتابك زنكي رحمه الله خطب بنت صاحب خلاط وقد مات أبوها وأمها مدبرت البلدي.ونفذ حسام الدولة بن دلماج خطبها لأبنه وهو صاحب بدليس.فسار أتابك بعسكر حسن إلى خلاط على غير الطريق المسلوك لأجل درب بدليس.فسلك فيها الجبال فكنا ننزل بغير خيام، وكل واحد في موضعه من طريق حتى وصلنا خلاط، فخيم أتابك عليها ودخلنا قلعتها وكتبنا المهر.فلما انقضى الشغل فأمر صلاح الدين معظم العسكر ويسري إلى بدليس يقاتلها.فركبنا أول الليل وسرنا وأصبحنا على بدليس، فخرج إلينا حسام الدولة صاحبها فلقينا على فسحة من البلد وأنزل صلاح الدين في الميدان وحمل إليه الضيافة الحسنة، وخدمه وشرب عنده في الميدان وقال يا مولايأي شيء ترسم؟تعنيت وتعبت في مجيئك.قال أتابك احنقه خطبتك للبنت التي كان خطبها، وأنت بذلت لهم عشرة آلاف دينار نريدها منك.قال السمع والطاعة.فعجل له بعض المال واستمهله بباقيه أياماً عينها، ورجعنا وبلده بحسن سياسته عامر ما دخل عليه خلل.
وصاحب قلعة جعبر
وهذا قريب ممن جرى لنجم الدولة مالك بن سالم رحمه الله.وذلك ان جوسلين أغار على الرقة والقلعة فأخذ كل ما عليها وسبى وساق غنائم كثيرة ونزل مقابل القلعة وبينهم الفرات، فركب نجم الدولة مالك في زورق ومعه ثلاثة أربعة من غلمانه وعبر الفرات إلى جوسلين وبينهما معرفة قديمة، ولما مالك عليه جميل.وظن جوسلين ان في الزرق رسولاً من مالك، فجائه واحد من الإفرنج وقالهذا مالك في الزورق قالما هو صحيح.فأته أخر قالقد نزل مالك من الزورق وهو جاءني يمشي.فقام جوسلين والتقاه وأكرمه ورد عليه جميع ما كان أخذه من الغنائم والسبي، ولولا سياسة نجم الدولة كان خرب بلده.
الشدة التي لا تنفع
إذا أنقضت المدة لم تنفع الشجاعة ولا الشدة.
شاهدت يوماًوقد زحف إلينا عسكر الإفرنج يقاتلنا، ومضى بعضهم مع طغدكين أتابك إلى الحصن الجسر يقاتله.وكان أتابك اجتمع هو وإيلغازي بن أرتق والإفرنج في افامية لمحاربة عساكر السلطان.وكان وصل بها إلى الشام اسباسلار برسق بن برسق وقد نزل حماة يوم الأحد تاسع عشر محرم سنة تسع وخمس مائة.فأما نحن فما قتلونا بالقرب من سور المدينة، فاستظهرنا عليهم ودفعناهم وانبسطنا معهم، فشاهدت رجلاً من أصحابنا يقال له محمد بن سرايا شاب شديد ايد قد حمل عليه فارس من الإفرنج لعنه الله فطعنه في فخذه فنفذ القنطارية فيها، فمسكها محمد وهي في فخذه، وجعل الإفرنجي بجذبها ليأخذها ومحمد يجذبها ليأخذها فترجع في فخذه حتى قورت فخذه.واستلب القنطارية بعد أن تلف فخذه، ومات بعد يومين رحمه الله.
إنقاذ فارس
ورأيت في ذلك اليوم وأنا في جانب الناس في القتال، فارساً قد حمل على فارس منا طعن حصانه قتله، وصاحبنا راجل في الأرض ولا أدري من هو لعبد ما بيننا، فدفعت حصاني إليه خوفاً عليه من الإفرنجي الذي طعنه، وقد بقيت القنطارية في الحصان وهو ميت قد خرجت مصارينه، والإفرنجي الذي طعنه، وقد بقيت القنطارية في الحصان وهو ميت قد خرجت مصارينه، فلا وصلته وجدته ابن عمي ناصر الدولة كامل بن مقلد رحمه الله فوقفت عليه واخليت له ركابي وقلت اركب فلما ركب رددت رأس الحصان إلى المغرب والمدينة من شرقنا.قال ليإلى أين تروح؟قلت إلى هذا الذي طعن حصانك فهو فرصة.فمد يده وقبض على عنان الحصان وقالما تطاعن وعلى حصانك لابسان، إذا أوصلتني ارجع طاعنه.فمضيت أوصلته وعدت إلى ذلك الكلب وقد دخل في أصحابه.
مؤمن تنقذه العناية الإلهية
وشاهدت من لطف الله تعالى وحسن دفاعه أن الإفرنج لعنهم الله نزلوا علينا بالفارس والراجل.وبيننا وبينهم العاصي وهو زائد زيادة عظيمة لا يمكنهم أن يجوزا إلينا ولا نقدر