أعود إلى ما تقدم.وفي ذلك اليوم أصاب غلام كان لعمي عز الدولة أبي المرهف نصر رحمه الله يقال له موفق الدولة شمعون طعنه عظيمة التقاها دون عمي عز الدين أبي العساكر سلطان رحمه الله.واتفق ان عمي أرسله رسولاً إلى الملك رضوان بن تاج الدولة تتش إلى حلب، فلما حضر بين يديه قال لغلمانهمثل هذا يكون الغلمان وأولاد الحلال في حق مواليهم.وقال لشمعون حدثهم حديثك أيام والدي وما فعلته مع مولاك.فقاليا مولانا بالأمس حضرت القتال مع مولاي فحمل عليه فارس يطعنه، فدخلت بينه وبين مولاي لأفديه بنفسي فطعنني، قطع من أضلاعي ضلعين وهما - ونعمتك - عندي قمطره.فقال له الملك رضوانوالله ما أعطيك الجواب حتى تنفذ تحضر القمطرة والأضلاع.فأقام عنده وأرسل من أحضر القمطرة وفيها عظمان من أضلاعه.فعجب رضوان من ذلك وقال لأصحابهكذا اعملوا في خدمتي .فأما الأمر الذي سأله عنه أيام والده تاج الدولة فإن جدي سديد الملك أبا الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ رحمه الله سير ولده عز الدولة نصراً رحمه الله إلى خدمته تاج الدولة وهو معسكر بظاهر حلب فقبض عليه واعتقله ووكل به من يحفظه، وكان لا يدخل إليه سوى مملوكه هذا شمعون والموكلون حول الخيمة فكتب عمي إلى أبيه رحمهما الله يقول تنفذ لي في الليلة الفلانيه وعينها قوم من أصحابه ذكرهم وخيل أركبها إلى الموضع الفلاني.فلما كانت تلك الليلة دخل شمعون خلع ثيابه فلبسها مولاه وخرج على الموكلين في الليل، فما أنكره، ومضى إلى أصحابه وركب وسار، ونام شمعون في فراشه.وجرت العادة أن يجيئه شمعون في السحر بوضوئه فكان رحمه الله من الزهاد القائمين ليلهم يتلون كتاب الله تعالى، فلا أصبحوا لم يروا شمعون دخل كعادته دخلوا الخيمة فوجدوا شمعون وعز الدولة قد راح، فانهوا ذلك إلى تاج الدولة فأمر بإحضاره، فلما حضر بين يديه قال كيف عملت؟قالأعطيت مولاي ثيابي لبسها وراح ونمت أنا في فراشه قالوما خشيت أن أضرب رقبتك؟قال يا مولاي إذا ضربت رقبتي وسلم مولاي وعاد إلى بيته فأنا السعيد بذلك، ما اشتراني ورباني إلا لأفديه بنفسي .فقال تاج الدولة رحمه الله لحاجبه سلم إلى هذا الغلام خيل مولاة ودابته وخيامه وجميع ركبه وسير يتبع صاحبه وما أنكر عليه وما احنقه ما فعل في خدمت مولاه، فهذا الذي قال له رضوان حدث أصحابي ما عملته أيام والدي مع مولاك.أعود إلى حديث الحرب المقدم ذكرها مع ابن ملاعب .
عم أسامه يطعن في جفن عينه
و جرح عمي عز الدولة رحمه الله في ذلك اليوم عده جراح منها طعنه طعنها في جفن عينيه السفلاني من ناحية المأق، ونشب الرمح في المأزق عند مؤخر العين فسقط الجفن جميعه وبقي معلقا بجلده من مؤخر العين، والعين تلعب لا تستقر، وأنما الجفون التي تمسك العين، فخاطبها الجرائحي وداواها فعادت كحالها الأوله لا تعرف العين المطعونة من الأخرى .
شجاعة عم أسامه ووالده
وكانا رحمهما الله من أشجع قومهما، ولقد شهدتهما يوما وقد خرجا إلى الصيد بالبزاة نحو تل ملح وهناك طير ماء كثير، فما شعرنا إلا وعسكر طرابلس قد أغار على البلد ووقفوا عليه، فرجعنا وكان الوالد من أثر المرض، فأما عمي فخف بمن معه من العسكر وسار حتى عبر المخاض إلى الإفرنج وهم يرونه، وأما الوالد فسار والحصان يخب به وأنا معه صبي وفي يده سفرجله يمتص منها، فلما دنونا من الإفرنج قال لي أمض أنت أدخل من السكر وعبر هو من ناحية الإفرنج .ومره أخرى شاهدته وقد أغارت علينا خيل محمود بن قراجا، ونحن على فسحه من البلد، وخيل محمود أقرب إليه منها، وأنا قد حضرت القتال ومارست الحرب، فلبست كزاغندي وركبت حصاني وأخذت رمحي، وهو رحمه الله على بغله .فقلت يا مولاي ما تركب حصانك !قال بلى وسار كما هو غير منزعج ولا مستعجل، وأنا لخوفي عليه ألح عليه في ركوبه حصانه إلى أن وصلنا إلى البلدة وهو على بغلته، فلما عاد أولئك وأمنا قلت يا مولاي ترى العدو قد حال بيننا وبين البلد وأنت لا تركب بعض جنائبك وأنا أخاطبك فلا تسمع !قال يا ولدي، في طالعي أنني لا ارتاع .وكان رحمه الله له اليد الطولى في النجوم مع ورعه ودينه وصومه الدهر وتلاوة القرآن، وكان يحرضني على معرفة علم النجوم فآبى وأمتنع، فيقول فاعرف أسماء النجوم ما يطلع منها ويغرب .وكان يريني النجوم ويعرفني أسماءها .