قيل: وأنبت الله عز وجل من تلك الياقوتة جبل قاف، وهو من زمردة خضراء وله رأس ووجه وأسنان، وأنبت من جبل قاف الجبال الشواهق كما أنبت الشجر من عروق الشجر. وزعم وهب رضي الله عنه أن الثور والحوت يبتلعان ما ينصب من مياه الأرض في البحار، فلذلك لا تؤثر في البحور زيادة فإذا امتلأت أجوافها من المياه قامت القيامة. وزعم قوم أن الأرض على الماء والماء على الصخرة والصخرة على سنام الثور والثور على كثيب من الرمل متلبداً، والكثيب على ظهر الحوت والحوت على الريح العقيم والريح العقيم على حجاب من ظلمة والظلمة على الثرى. وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، ولا يعلم ما وراء ذلك أحد إلا الله عز وجل الذي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
وهذه الأخبار مما يتولع به الناس ويتنافسون فيه، ولعمري إن ذلك مما يزيد المرء بصيرة في دينه وتعظيماً لقدرة ربه، وتحيراً في عجائب خلقه، فإن صحت فما خلقها على الصانع بعزيز، وإن يكن من اختراع أهل الكتاب وتنميق القصاص، فكلها تمثيل وتشبيه ليس بمنكر. والله أعلم.
وقد روى شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال: هل تدرون ما هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان، هذه زوايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. ثم قال: هل تدرون ما الذي فوقكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع، سقف محفوظ وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فوقه العرش وبينه وبين السماء كبعد ما بين سماءين أو كما قال ثم قال: أتدرون ما تحتكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الأرض، وتحتها أرض أخرى بينهما خمسمائة عام. ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم أُدليتم بحبل لهبطتم على الله. ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: " هو الأول والآخر والظاهر والباطن " الآية: فهذا الخبر يشهد بصدق كثير مما يروون، إن صح. والله أعلم.
ولنرجع الآن إلى ما نحن بصدده من ذكر شرح الدائرة المذكورة، وتفصيل البلدان وذكرها، وذكر عجائبها وأخبارها.
فهرست ما نذكره إن شاء الله تعالى من الفصول المتضمنة ذلك:
فصل في ذكر البلدان والأقطار. فصل في الخلجان والبحار. فصل في الجزائر والآثار. فصل في العجائب للاعتبار. فصل في مشاهير الأنهار. فصل في العيون والآبار. فصل في الجبال الشواهق الكبار. فصل في خواص الأحجار ومنافعها. فصل في المعادن والجواهر وخواصها. فصل في النباتات والفواكه وخواصها. فصل في الحبوب وخواصها. فصل في البقول وخواصها. فصل في حشائش مختلفة وخواصها. فصل في البذور وخواصها. فصل في الحيوانات والطيور وخواصها. خاتمة الكتاب في ذكر الملاحم وعلامات الساعة وظهور الفتن والحوادث، ولها فصول تذكر عند الشروع في كتابتها إن شاء الله تعالى. وبإتمامه يتم الكتاب، والله تعالى الموفق للصواب.
فصل في
ذكر البلدان والأقطار
أعلم وفقنا الله وإياك أن بين مطلع الشمس ومغربها مدناً وبلاداً وأنهاراً لا تحصى كثرةً، ولا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى. ولكن نذكر منها ما ذكره فائدة واعتبار من البلاد المشهورة، ونضرب صفحاً عن ذكر ما ليس بمشهور، ولا اعتبار ولا فائدة في ذكره خوفاً من التطويل والسآمة، والله تعالى المستعان.
فنبتدئ أولاً بذكر بلاد المغرب إلى المشرق، ثم نعود إلى بلاد الجنوب وهي بلاد السودان، ثم نعود إلى بلاد الشمال وهي بلاد الروم والأفرنج والصقالبة وغيرهم، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى: أرض المغرب أولها البحر المحيط، وهو بحر مظلم لم يسلكه أحد ولا يعلم سر ما خلفه. وبه جزائر عظيمة كثيرة عامرة يأتي ذكرها عند ذكر الجزائر، منها جزيرتان تسميان الخالدتين، على كل واحدة منهما صنم طوله مائة ذراع بالملكي، وفوق كل صنم منها صورة رجل من نحاس يشير بيده إلى خلف، أي: ما ورائي شيء ولا مسلك. والذي وضعهما وبناها لم يذكر له اسم.