وزعم أهل الكتاب أن أربعة أنهار تخرج من الجنة: الفرات وسيحان وجيحان ودجلة. وذلك أنهم يزعمون أن أهل الجنة في مشارق الأرض. وروي أن الفرات جزر في أيام معاوية رضي الله عنه، فرمى برمانة مثل البعير البارك، فقال كعب: إنها من الجنة. فإن صدقوا فليست هي بجنة الخلد ولكنها من جنان الأرض. وعند القدماء أن المياه من الاستحالات، فطعم كل ماء على طعم أرضه وتربته؛ وأما نحن فلا ننكر قدرة الله تعالى على إحالة الشيء على ما يشاء كما تحول النقطة علقة والعلقة مضغة، ثم كذلك حالاً بعد حال إلى أن يفنيه كما يشاء وكما أنشأه. فسبحان من قدرته صالحة لكل شيء.
واختلفوا أيضاً في ملوحة البحر: فزعم قوم أنه لما طال مكثه وألحت الشمس عليه بالإحراق صار مراً ملحاً واجتذب الهواء ما لطف من أجزائه فهو بقية ما صفته الأرض من الرطوبة فغلظ لذلك. وزعم آخرون أن في البحر عروقاً تغير ماء البحر ولذلك صار مراً زعافاً.
واختلفوا في المد والجزر، فزعم أرسطاطاليس أن علة ذلك من الشمس إذا حركت الريح، فإذا ازدادت الرياح كان منها المد، وإذا نقصت كان منها الجزر. وزعم كيماويش أن المد بانصباب الأنهار في البحر والجزر بسكونها. والمنجمون منهم من زعم أن المد بامتلاء القمر والجزر بنقصانه. وقد روي في بعض الأخبار أن الله جعل ملكاً موكلاً بالبحار، فإذا وضع قدمه في البحر مد وإذا رفعه جزر؛ فإن صح ذلك والله أعلم كان اعتقاده أولى من المصير إلى غيره مما لا يفيد حقيقة. ولو ذهب ذاهب إلى أن ذلك الملك هو مهب الرياح التي تكون سبباً للمد وتزيد في الأنهار وتفعل ذلك عند امتلاء المقر حتى يكون توفيقاً وجمعاً بين الكل لكان ذلك مذهباً حسناً. والله أعلم.
واختلفوا في الجبال. قال الله تعالى: " وألقى في الأرض رواسيَ أن تميدَ بكم " وقال تعالى: " ق، والقرآنِ المجيد " . قال بعض المفسرين. إن من جبل قاف إلى السماء مقدار قامة رجل طويل. وقال آخرون. بل السماء منطبقة عليه. وقال قوم: من وراء قاف عوالم وخلائق لا يعلمها إلا الله تعالى. ومنهم من يقول: ما وراءه فهو من حد الآخرة ومن حكمها، وأن الشمس تطلع منه وتغيب فيه وهو الساتر لها عن الأرض؛ ومنهم من يزعم أن الجبال عظام الأرض وعروقها.
واختلفوا فيما تحت الأرض: أما القدماء فأكثرهم يزعمون أن الأرض يحيط بها الماء، وهذا ظاهر، والماء يحيط به الهواء؛ والهواء تحيط به النار، والنار تحيط بها السماء الدنيا ثم السماء الثانية ثم الثالثة إلى السبع، ثم يحيط بالكل فلك الكواكب الثابتة؛ ثم يحيط بالكل الفلك الأعظم الأطلس المستقيم، ثم يحيط بالكل عالم النفس، وفوق عالم النفس عالم العقل، وفوق عالم العقل عالم الروح وفوق عالم الروح والأمر الحضرة الإلهية " وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير " .
وعلى قاعدة مذهب القدماء يلزم أن تحت الأرض سماء كما فوقها. وروي أن الله تعالى لما خلق الأرض كانت تتكفأ كما تتكفأ السفينة، فبعث الله ملكاً فهبط حتى دخل تحت الأرض فوضعها على كاهله ثم أخرج يديه، إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، ثم قبض على الأرضين السبع فضبطها فاستقرت. ولم يكن لقدم الملك قرار، فأهبط الله ثوراً من الجنة له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة فجعل قرار قدمي الملك على سنامه، فلم تصل قدماه إلى سنامه، فبعث الله تعالى ياقوتة خضراء من الجنة، غلظها مسيرة كذا ألف عام، فوضعها على سنام الثور فاستقرت عليها قدماً الملك وقرون الثور خارجة من أقطار الأرض ممتدة إلى العرش، ومنخر الثور في ثقبين من تلك الياقوتة الخضراء تحت البحر، فهو يتنفس في كل يوم نفسين، فإذا تنفس مد البحر وإذا رد النفس جزر البحر، ولم يكن لقوائم الثور قرار، فخلق الله كثيباً من رمل كغلظ سبع سموات وسبع أرضين، فاستقرت عليه قوائم الثور، ثم لم يكن للكثيب مستقر، فخلق الله حوتاً يقال له البهموت فوضع الكثيب على وبر الحوت والوبر: الجناح الذي يكون في وسط ظهره وذلك الحوت مزموم بسلسلة من القدرة كغلظ السموات والأرض مراراً.
قال: وانتهى إبليس لعنه الله إلى ذلك الحوت فقال له: ما خلق الله خلقاً أعظم منك فلم لا تزيل الدنيا عن ظهرك ؟ فهم بشيء من ذلك فسلط الله عليه بقة في عينيه فشغلته. وزعم بعضهم أن الله سلط عليه سمكة وشغله بها فهو ينظر إليها ويهابها ويخافها.