وأهل الصين قصار القدود عظام الرؤوس، ومذاهبهم مختلفة؛ فمنهم أهل أوثان، وأهل نيران، وعباد حيات وغير ذلك. وأشرف ما يتحلون به قرون الكركند، لأنها إذا بشرت ظهرت منها صور مدهشة عجيبة كاملة النقش والتخطيط، فيتخذون منها مناطق ويفتخرون بها فتبلغ قيمة المنطقة الواحدة أربعة آلاف دينار. وفي تلك القرون المنشورة خاصية عظيمة إذا شدت على الجسم تحت الثياب فإنها إذا دخل على الملك سم قدم إليه طعام فيه سم تحركت على جسمه واختلجت. وأما صين الصين فهي نهاية العمارة في المشرق، وليس وراءها إلا البحر المحيط. ومدينة الصين العظمى تسمى السبلى، وأخبارهم منقطعة عنا لبعدهم. ويحكى أن الملك عندهم إذا لم يكن له مائة زوجة بمهور، وألف فيل برجالها وأسلحتها، لا يسمى بملك. وإذا كان للملك منهم عدة أولاد ثم مات لا يرث ملكه منهم إلا أحذقهم بالنقش والتصوير.
ومن مدن الصين المشهورة خانقو وهي أعظم مدن الصين وهي على نهر عظيم أعظم من دجلة والفرات، وبها أمم لا تحصى كثرة، ولها ملك ذو هيبة على مربطه ما يزيد على ألف فيل، وجنوده كثيرة وهي على خور من البحر الأعظم تدخل فيه المراكب إلى مسيرة شهرين، وبها الأرز والموز الغزير وقصب السكر والنارجيل.
وخانكو: وهي مدينة عظيمة تشبه خانقو في السعة والعمارة وكثرة الخلق. وهي كثيرة الفواكه الفاخرة وهي على خور من البحر. وبهذه البلاد الحيوانات الغريبة الشكل مثل الفيل والكركند والزرافة وغير ذلك من الصندل والأبنوس والكافور والخيزران والعطر وجميع الأفاويه ما لا يوصف، والليل والنهار في هذه البلاد متكافئان.
وباجة: مدينة عظيمة وبها أمم عظيمة، وبها جميع الفواكه إلا العنب والتين فإنهما لا يوجدان بها ولا ببلاد الصين والتبت والهند، وإنما عندهم شجر يسمى الشكى والبركى، يطرح ثمراً طول الثمرة أربعة أشبار مدور كالمخروط وله قشر أحمر، وهو لذيذ الطعم وفي جوف تلك الثمرة حب مثل حب الشاهبلوط يشوى في النار ويؤكل فيوجد فيه طعم التفاح وطعم الكمثرى وطعم الموز، وفي بلاد الهند شجر يسمى العنباء كشجر الموز وثمرته كالمقل يعمل بالخل فيكون كطعم الزيتون. وهذه المدينة هي سكنى البغبوغ وهو ملك الصين ومعناه ملك الملوك وله في دسته وموكبه زي عظيم.
وجمدان: وهي مدينة عظيمة يشقها نهرها الأعظم المسمى جمدان وأهلها ذوو أموال غزيرة، وهي قاعدة من قواعد الصين.
كاشغر: وهي مدينة عظيمة على ضفة نهر صغير يأتي من شمالها، يقع من جبل، وبهذا الجبل معادن الفضة الطيبة الفائقة السهلة التخلص.
وخيعون: وهي مدينة حسنة ذات بساتين وفرج، وبها غزال المسك الفائق، ودابة الزباد الفاخر، وهي دابة كالهرة في الخلق وأنفس منها في الجسم، يحك الزباد من آباطها بمعلقة فضة وهو عرق يخرج من آباطها.
اسفيريا: مدينة عظيمة على بركة ماء عذب لا يعرف لها قعر، وبه سمك له وجوه مثل البوم على رؤوسها كقلانس الديوك.
وطوخا: مدينة يعمل فيها ثياب الحرير الطوخية التي لا نظير لها.
وسوسة: وهي المدينة التي بها الفخار الصيني الفاخر الذي لا يعدله شيء من فخار الصين.
وقد ذكرنا من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق من المحيط إلى المحيط. ونرجع الآن إلى ذكر بلاد الجنوب وهي الواقعة بين المشرق والمغرب إن شاء الله تعالى، وهذه البلاد كلها بلاد السودان، وأولها من المغرب الأقصى إلى المشرق الأقصى، على حكم ربع الدائرة. فأول بلادهم من المغرب الأقصى: أرض مغرارة: ومن مدنها المشهورة المعظمة أولينى وهي في البحر، وبها الملاحة المشهورة التي يحمل منها إلى سائر السودان.
وصلي: وهي مدينة كبيرة على نهر النيل، وهي مجتمع السودان، وأهلها ذوو بأس ونجدة، وملكها مؤمن.
وتكرور: وهي في جنوب النيل وغربيه. وهي مدينة كبيرة وبها أمم عظيمة من السودان وهي مقر ملكهم وببلادهم معدن الذهب، ويسافر إليها أهل الغرب بالصوف والنحاس والخرز والودع، ولا يجلب منها إلا الذهب العين.
ولملم: وهي مدينة متوسطة. وعندهم معدن الذهب.
وباقي أرض مغرارة صحارى وبراري ومفاوز لا عمارة بها ولا مسالك، لقلة الماء والمراعي. وشمالها أرض غانة، وجنوبها الأرض من الربع الخراب.