ومن باب دمشق الغربي وادي البنفسج، طوله اثنا عشر ميلاً في عرض ثلاثة أميال، مفروش بأجناس الثمار البديعة المنظر والمخبر، ويشقه خمسة أنهار. ومياه الغوطة كلها تخرج من نهر الزبداني وعين الفيجة، وهي عين تخرج من أعلى جبل وتنصب إلى أسفل بصوت هائل ودوي عظيم، فإذا قرب إلى المدينة تفرق أنهاراً وهي بردى ويزيد وتورة وقناة المزة وقنوات الصوف وقنوات بانياس وعقربا. واستعمال هذا النهر للشرب قليل لأن عليه مصب أوساخ المدينة. وهذا النهر يشق المدينة وعليه قنطرة. وكل هذه الأنهار يخرج منها سواق تخترق المدينة فتجري في شوارعها وأسواقها وأزقتها وحماماتها ودورها وتخرج إلى بساتينها.
والشام خمس شامات هكذا قرر في كتاب العقد الفريد: فالشام الأولى: غزة والرملة وفلسطين وعسقلان وبيت المقدس، ومدينتها الكبرى فلسطين. والشام الثانية: الأردن وطبرية والغور واليرموك وبيسان، ومدينتها الكبرى طبرية. والشام الثالثة الغوطة: ودمشق، وسواحلها. ومدينتها الكبرى دمشق. والرابعة: حمص وحماة وكفر طاب وقنسرين وحلب. والخامسة: أنطاكية والعواصم والمصيصة وطرسوس.
فأما فلسطين فهي أول أجواز الشام من الغرب، وماؤها من الأمطار والسيول وأشجارها قليلة لكنها حسنة البقاع. وهي من رفح إلى اللجون طولاً ومن يافا إلى زعر عرضاً، وهي مدينة قوم لوط، والبحيرة التي بها يقال لها البحيرة المنتنة. ومنها إلى بيسان وطبرية يسمى الغور لأنها بقعة بين جبلين وسائر مياه الشام تنحدر إليها.
نابلس: هي مدينة السامرية؛ وبها البئر التي حفرها يعقوب عليه السلام، وجلس عليه السلام يطلب من المرأة ماء للشرب. وعلى ذلك المكان كنيسة معهودة.
عسقلان: هي مدينة حسنة، ولها سوران، وهي ذات بساتين وثمار وبها من الزيتون والكروم واللوز والرمان شيء كثير. وهي في غاية الخصب.
بيت المقدس: ويسمى إيلياء وهي حسنة ولها سوران عظيمان بين جبلين. وفي طرفها الغربي باب المحراب وعليه قبة داود عليه السلام. وفي طرفها الشرقي باب الرحمة، وكان يقفل فلا يفتح من عيد الزيتون إلى عيد الزيتون. ومن الباب الغربي يسار إلى الكنيسة العظمى المسماة بكنيسة القيامة وهي المعروفة بكنيسة قمامة، وتحج إليها الروم من سائر الأقطار. ويقابلها من المشرق كنيسة الحبس الذي فيه المسيح عيسى عليه السلام. وبها مقابر الفرنج وشرقيه المسجد المعظم المسمى بالأقصى، وليس في الدنيا كلها مسجد على قدره إلا جامع قرطبة من بلاد الأندلس. وطول المسجد الأقصى مائتا باع في عرض مائة وثمانين. وفي وسطه قبة عظيمة تسمى قبة الصخرة. ويقال إن سقف جامع قرطبة أكبر من سقف الأقصى وصحن الأقصى أكبر من صحن جامع قرطبة. وبالقرب من باب الأسباط كنيسة حسنة كبيرة وفيها قبر مريم أم عيسى عليهما السلام وتعرف بالجسمانية. وهناك جبل يقال له جبل الزيتون، وبهذا الجبل قبر العاذر الذي أحياه الله للمسيح عليه السلام. وعلى الميامن من جبل الزيتون قرية منها جلب حمار المسيح. وقريب من قبر عاذر مدينة أريحاء وعلى الأردن كنيسة عظيمة على اسم يوحنا المعمدان. والأردن نهر يخرج من بحيرة طبرية ويحط في بحيرة سدوم وعامودا مدائن لوط. وبجنوب بيت المقدس كنيسة صهيون وهي التي فيها قلاية يقال إن المسيح أكل فيها مع حوارييه من المائدة لما أنزلت عليه؛ ويقال إن المائدة باقية فيها. وهي كنيسة حصينة وفيها على طرف الخندق كنيسة بطروس، وبهذا الخندق عين سلوان وهي التي أبرأ فيها المسيح الضرير الأعمى، ويقرب منها الحقل وهو مقابر الغرباء، وبها بيوت كثيرة منقورة في الصخر، وفيها رجال مقيمون قد حبسوا أنفسهم لله تعالى فيها.
وأما بيت لحم: فهي كنيسة حسنة البناء متقنة الصنعة، وهو الموضع الذي ولد فيه عيسى عليه السلام، وبينه وبين بيت المقدس ستة أميال، وفي وسط الطريق قبر راحيل أم يوسف الصديق عليه السلام. ويقرب من ذلك مسجد الخليل عليه السلام، وهو قرية ممتدة بها قبر الخليل إبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلام. وكل صاحب قبر من قبورهم تجاهه امرأته، وهو في وهدة بين جبلين، ملتفة الأشجار كثيرة الثمار.