جهنمٌ ولظى والحطم بينهما ... ثم السعير كما الأهوال في سقر
وتحت ذاك جحيمٌ ثم هاويةٌ ... يهوى بها أبداً، سحقاً لمحتقر
في كل باب عقوبات مضاعفة ... وكل واحدة تطوى على النفر
فيها غلاظ شداد من ملائكة ... قلوبهم شدّة أقوى من الحجر
لهم مقامع للتعذيب مرصدةٌ ... وكل كسرٍ لديهم غير منجبر
سوداء مظلمة شعثاء موحشة ... دهماء محرقة لوّاحة البشر
فيها الجحيم مذيبٌ للوجوه مع ال ... أمعاء من شدة الإحراق والشرر
فيها الغساق الشديد البرد يقطعهم ... إذا استغاثوا بحرٍّ ثمّ مستعر
فيها السلاسل والأغلال تجمعهم ... مع الشياطين قسراً جمع منقهر
فيها العقارب والحيات قد جعلت ... جلودهم كالبغال الدّهم والحمر
والجوع والعطش المضني ولا نفسٌ ... فيها ولا جلدٌ فيها لمصطبر
لها إذا ما غلت فورٌ يقلّبهم ... ما بين مرتفع منها ومنحدر
جمع النواصي مع الأقدام صيّرهم ... كالقوس محنيّةً من شدة الوتر
لهم طعام من الزقوم يعلق في ... حلوقهم شوكةً كالصّاب والصبر
يا ويلهم عضّت النيران أعظمهم، ... والموت شهوتهم، من شدة الضجر
ضجّوا وصاحوا زماناً ليس ينفعهم ... دعاء داعٍ ولا تسليم مصطبر
وكلّ يوم لهم في طول مدّتهم ... نوع شديد من التعذيب والسعر
كم بين دار هوانٍ لا انقضاء لها ... ودار أمنٍ وخلدٍ دائم الدهر
دار الذين اتّقوا مولاهم وسعوا ... قصداً لنيل رضاه سعي مؤتمر
وآمنوا واستقاموا مثل ما أُمروا ... واستغرقوا وقتهم في الصوم والسهر
وجاهدوا وانتهوا عما يباعدهم ... عن بابه، واستلانوا كل ذي وعر
جنّات عدن لهم ما يشتهون بها ... في مقعد الصّدق بين الروض والزهر
بناؤها فضة قد زانها ذهبٌ ... وعينها المسك والحصبا من الدّرر
أوراقها ذهبٌ، منها الغصون دنت ... بكل نوع من الرّيحان والثمر
أوراقها حلل، شفافةً خلقت ... واللؤلؤ الرطب والمرجان في الشجر
دار النعيم وجنّات الخلود لهم ... دار السلام، لهم مأمونة الغير
وجنة الخلد والمأوى، وكم جمعت ... جنات عدن لهم من مونقٍ نضر
طباقها درجات عدّها مائةٌ ... كلّ اثنتين كبعد الأرض والقمر
أعلى منازلها الفردوس عاليها ... عرش الإله فسل واطمع ولا تذر
أنهارها عسل ما فيه شائبة ... وخالص اللبن الجاري بلا كدر
وأطيب الخمر والماء الذي سلمت ... من الصّداع ونطق اللهو والسّكر
والكلّ تحت جبال المسك منبعها ... يجرونه كيف شاؤوا غير محتجر
فيها نواهد أبكار مزيّنة ... يبرزن من حلل في الحسن والخفر
نساؤها المؤمنات الصابرات على ... حفظ العهود مع الإملاق والضّرر
كأنهنّ بدور في غصون نقا ... على كثيب بدت في ظلمة السحر
كلّ امرئ منهم يعطى قوى مائةٍ ... في الأكل والشرب والإفضا بلا خور
طعامهم رشح مسكٍ كلما عرقوا ... عادت بطونهم في هضم منضمر
لا جوع لا برد لا همٌّ ولا نصبٌ ... بل عيشهم عن جميع النائبات عري
فيها الوصائف والغلمان تخدمهم ... كلؤلؤٍ في كمال الحسن منتثر
فيها غناء الجواري الغانيات لهم ... بأحسن الذكر للمولى مع السمر
لباسهم سندس، حلاّتهم ذهب ... ولؤلؤ ونعيم غير منحصر