وكما أنهم يخطئون فيما لم يروه ويعهدوه، نراهم يخطئون أيضاً فيما نشأوا عليه، وألفوا رؤيته صباح مساء. ومأتي هؤلاء من تعرضهم لما عرفوا جملته، ولم يحيطوا بتفصيله، لأن المعرفة تتفاوت كثرةً وقلة بحسب ملابسة الأشياء ومجانبتها، فمن كان أشد علاقة بالشيء كان بالضرورة أخبر به وأبصر ممن ضعفت علاقته به، أو قصرت معرفته له على مجرد الألف والمشاهدة. ألا ترى أن قيم الغراس لا يجهل السيف، كما لا يجهله سائر العرب، ولكنا إذا اختبرناه فيه لا نصيب عنده من العلم به وبدقائق أجزائه ومختلف حالاته وصفاته ما نصيبه عند الطباع والصيقل. وكذلك صاحب الظلف أعرف بالشاة والعنز منه بالفرس والبعير، وصاحب الخيل أبصر بها من الملاح أو البزاز، وقس على ذلك سائر الأمور في الكثير الغالب ومن هذه الناحية تطرق الخطأ لرؤبة في قوله يصف فرساً ويذكر قوائمه: بأربع لا يعتنفن العفقا يهوين شتى ويقعن وفقا
فجعله يضبر، أي يجمع يديه ثم يثب فيقع مجموعة يداه، وهو عيب، لأن الجياد من الخيل لا تقع حوافرها معاً، إنما المستحب من الفرس أن يسبح بيديه. ولما قيل له: أخطأت يا أبا الجحاف جعلته مقيداً يضبر، قال: أي بني لا علم لي بالخيل، ولكن أدنني من ذنب البعير أصفه كما يجب، قال الأصمعي: فأدني منه فلم يصنع شيئاً.