يريد أنها غرة لا تعرف نسج اليرندج، ولم تدارس الناس عويص الكلام الذي يخفى أحياناً ويتبين أحياناً. قالوا: ولم يعرف الشاعر أن اليرندج: جلد أسود تعمل منه الخفاف، فظنه مما ينسج. والتمس بعضهم له مخرجاً فقال: أراد بالنسج هنا: المعالجة والعمل. وقال آخر: بل أراد أنها لغرتها وقلة تجاربها ظنت أن اليرندج منسوج.
قلنا: ولا نخال النصوص اللغوية تساعد على الأول. أما الثاني فكما قال أبو هلال في الصناعتين: إن ألفاظ البيت لا تدل عليه.
(ومن قبيله) قول رؤبة: بل بلد ملء الفجاج قتمهْ لا يشتري كتانه وجهرمه
وجهرم: قرية بفارس تنسب إليها الثياب والبسط قال أبو عمرو والأصمعي: فظن رؤبة أنها ثياب، ورد عليهما علي بن حمزة البصري في التنبيهات: بأنه أراد كتانة وجهرمية، فقطع ياء النسب، كما قال العجاج: يكاد يدري القيقبان المسرجا
والقيقب: خشب تنحت منه السروج، فنسب السرج إليه فقال القيقباني ثم قطع ياء النسب.
وقد استشهد الوزير البطليوسي بهذا البيت في شرح ديوان امرئ القيسي، فذهب فيه مذهب أبي عمرو والأصمعي حيث قال: ((وغلط في الجهرم ظن أنها ثياب وهو بلد بفارس)) (ومن قبيله) قول الراعي يصف امرأة تدهن بالمسك: تكسو المفارق واللبات ذا أرج من قصب معتلف الكافور دراج
فجعل المسك من القصب، وهو المعي، وكأنه لما سمع أنه من دابة ظنها تعتلف الكافور فيتحول في أمعائها إلى مسك ويجتنى منها. وخطأه أبو حنيفة الدينوي في كتاب النبات في قوله يصف إبلاً: لها فأرة ذفراء كل عشية كما فتق الكافور بالمسك فاتقه