ولم يكتف امرؤ القيس بأن جعل ذنب فرسه يجر على الأرض إن صح أنه أراد ذلك حتى أبرز لنا وجه هذه الفرس مجللاً بشعر الناصية لا تكاد تبصر منه الطريق فقال: وأركب في الروع خيفانة على وجهها سعف منتشر
وكأنه خشي أن يظن بها السفى، وهو خفة الناصية، فوصف شعرها بالطول والكثرة، وحملته المبالغة على جعله كالسعف على وجهها. وقد عاب عليه هذا الوصف شارح ديوانه الوزير البطليوسي، وأبو هلال في الصناعتين، وابن سنان في سر الفصاحة، والجرجاني في الوساطة، والمرزباني في الموشح. وروى الآمدي في الموازنة عن أبي حاتم عن الأصمعي ما نصه: ((شبه شعر الناصية بسعف النخلة، والشعر إذا غطى العين لم يكن الفرس كريما، وذلك هو الغمم، والذي يحمد من النواصي الجثلة، وهي التي لم تفرط في الكثرة، فتكون الفرس غماء، والغمم مكروه، ولم تفرط في الخفة فتكون سفواء، والسفى أيضاً مكروه في الخيل)) انتهى.
قلنا: ومنه يعلم ما في قول البحتري في بيته المتقدم: (وعرف كالقناع المسبل) وعندنا أنه أشد تغلغلاً في الخطأ من وصف امرئ القيس.
وكأننا بالطرماح أشفق أن يكون ذنب ناقته دون ذنب فرس امرئ القيس، ولم يفطن إلى أن طول الذنب في الإبل غير مستحسن فقال: تمسح الأرض بمعنونس مثل مثلاة النياح القيام
فأخطأ خطأين كان في غنى عنهما، لولا أن المبالغة استدرجته إلى الأول فتمهد له السبيل إلى الثاني.
أما الأول: فجعله الذي يمسح الأرض، وإذا كان طوله قبيحاً مذموماً في الإبل فبلوغه إلى هذا الحد أقبح وأدعى إلى الذم.
والثاني: أنه أراد أ، يشبهه بثوب يجر ولم يشأ أن يسلب امرأ القيس ذيل عروسه، فشبهه بخرقة النائحة، وهي لا تجرها على الأرض، ولا تبلغ في الطول أن تصلح لذلك، وإنما هي كالمنديل تمسكها بيدها وتشير بها إذا قامت تنوح.