FluentPlex

The Poets' Mistakes

Original text Public domain

Read with the dictionary

فمن أسباب الوهم في المعاني جهل الشاعر بما يذكره لبعده عنه، فتراه يأتي به على غير حقيقته، ويضعه في غير موضعه، أو يبهم في وصفه فلا يدنيه منك ولا يبعده، كالحضري الذي لم يسبق له التبدي، والبدوي الذي لم يتحضر، فإنهما قلما يستطيع أحدهما أن يذكر ما عند الآخر فيصيب فيه، أو يصفه فيحسن الإفصاح عنه لأنه إنما يذكر ما لم يعرفه، ولم يره إلا بسمعه. حكى صاحب الأغاني عن الكميت أنه قال: لما قدم ذو الرمة أتيته فقلت: إني قد قلت قصيدة عارضت فيها قصيدتك: (ما بال عينك منها الماء ينسكب)

فقلت: هل أنت عن طلب الأيفاع منقلبُ أم كيف يحسن من ذي الشيبة اللعب؟

حتى أنشدته إياها، فقال لي: ويحك! إنك لتقول قولاً ما يقدر إنسان أن يقول لك: أصبت ولا أخطأت، وذلك أنك تصف الشيء فلا تجئ به، ولا تقع بعيداً عنه، بل تقع قريباً. قلت له: أوتدري لم ذلك؟ قال: لا، قلت: لأنك تصف شيئاً رأيته بعينك، وأنا أصف شيئاً وصف لي، وليست المعاينة كالوصف. قال: فسكت. انتهى.

ويروى: أن الكميت كانت له جدتان أدركتا الجاهلية، فكانتا تصفان له البادية وأمورها، وتخبرانه بأخبار الناس في الجاهلية، فإذا شك في شعر أو خبر عرضه عليهما فتخبرانه، فمن هناك كان علمه.

قلنا: وقد رأيت كيف لم يغنه وصف الجدتين شيئاً، فوقع فيما أحتاج إلى الاعتذار منه. وليت شعري أين عزبتا عنه لما نظم قصيدته: (أبت هذه النفس إلا ادكاراً)

فقال فيها: إذا ما الهجارس غنيها يجاوبن بالفوات الوبارا

وقال: كأن الغطامط من غليها أراجيز أسلم تهجو غفارا

فكانتا تخبرانه بأن الوبار لا تسكن الفلوات، وبأن أسلم ما هجت غفاراً قط فتنجيانه من انتقاد نصيب.

ومثل هذا الحضري في وصفه ما لم يره من أمور البادية، كمثل ذلك البدوي الذي سمع بأن الرقاق والفستق من مأكول الحضر، وأراد وصف جارية بالتبدي فقال: دسنية لم تأكل المرفقا ولم تذق من البقول الفستقا

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account