بنى بالفيوم ثلاثمائة وستين قرية، وقدر أن كل قرية تكفي أهل مصر يوماً واحداً، على أن النيل إن لم يزد اكتفى أهلها بما يحصل من زراعتها وجرى الأمر على هذا. وزرعوا بها النخيل والأشجار فصار أكثرها حدائق، فتعجب الناس مما فعل يوسف الصديق، عليه السلام، فقال للملك: عندي من الحكمة غير ما رأيت، انزل الفيوم من كل كورة من كور مصر أهل بيت، وأمر كل أهل بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية، وكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر، فإذا فرغوا من البناء صير لكل قرية من الماء قدر ما يصير لها من الأرض، لا زائداً ولا ناقصاً. صير لكل قرية شرباً في زمان لا ينالهم الماء إلا فيه، وصير مطأطئاً للمرتفع ومرتفعاً للمطأطيء بأوقات من الساعات في الليل والنهار، وصير لها قدراً معلوماً فلا يأخذ أحد دون حقه ولا زائداً عليه، فقال له فرعون: هذا من ملكوت السماء ؟ فقال: نعم. فلما فرغ منها تعلم الناس وزن الأرض والماء واتخاذ موازينها. وحدث يومئذ هندسة استخراج المياه، والله الموفق.
القادسية
بليدة بقرب الكوفة على سابلة الحجاج. سميت بقادس هراة وهو دهقانها، بعثه كسرى أبرويز إلى ذلك الموضع لدفع العرب؛ قال هشام عن ابيه: ان ثمانية آلاف من ترك الخزر ضيقوا على كسرى بلاده من كثرة النهب والفساد. فبعث دهقان هراة إلى كسرى: إن كفيتك أمر هؤلاء تعطيني ما احتكم ؟ قال: نعم. فبعث الدهقان إلى أهل القرى يقول: إني سأنزل عليك الترك فافعلوا بهم ما آمركم ؟ وبعث إلى الترك وقال: تشتون في أرضي العام. فنزلوا عنده. بعث إلى كل قرية طائفة وقال: ليذبح كل رجل منكم نزيله في الليلة الفلانية ويأتني بسبلته ! فذبحوهم عن آخرهم وذهبوا إليه بسبلاتهم، فنظمها في خيوط وبعث بها إلى كسرى، فبعث إليه كسرى شكر سعيه وقال: اقدم إلي واحتكم ! فقدم إليه وقال: أريد أن تجعل لي سريراً مثل سريرك وتاجاً مثل تاجك، وتنادمني من غدوة إلى الليل. فاستدل كسرى باحتكامه على ركاكة عقله، ففعل ذلك ثم قال: لا ترى هراة أبداً، فيجلس ويتحدث بما جرى وأنزله هذا الموضع، فبنى هذه البلدة وسكنها.
القاهرة
هي المدينة المشهورة بجنب الفسطاط بمصر يجمعها سور واحد. وهي اليوم المدينة العظمى، وبها دار الملك، أحدثها جوهر غلام المعز سعد بن إسماعيل الملقب بالمنصور. وهي أجل مدينة بمصر لاجتماع أسباب الخيرات، منها تجلب الطرائف المنسوبة إلى مصر.
بها قصران عظيمان يقصر الوصف دونهما عن يمين السوق وشماله، وليس في شيء من البلاد مثلهما.
كان يسكنها ملوكها العلوية الذين انقرضوا، وبها موضع يسمى الفراقة. وبها أبنية جليلة ومواضع واسعة وسوق قائم ومشاهد للصالحين. وهي من متنزهات أهل القاهرة والفسطاط سيما في المواسم. وبها مدرسة الشافعي وفيها قبره. وبالقرافة باب للمحلة التي بها مدرسة الشافعي، في عتبته حجر كبير إذا احتبس بول الدابة تمشي على ذلك الحجر مراراً فينفتح بولها. وبظاهر القرافة مشهد صخرة موسى، عليه السلام، وفيه اختفى من فرعون لما خافه، وعلى باب درب الشعارين مسجد ذكر ان يوسف الصديق، عليه السلام، بيع هناك.
قبرس
جزيرة بقرب طرسوس، دورها مسيرة ستة عشر يوماً؛ قال أحمد بن محمد بن عمر العذري: يجلب منها اللادن الجيد ولا يجمع في غيرها، والذي يجمع من الشجر يحمل إلى ملك القسطنطينية لأنه يعادل العود الطيب وسائر ما يجمع على وجه الأرض هو الذي يستعمله الناس. والزاج القبرسي مشهور كثير المنافع جداً، عزيز الوجود أفضل الزاجات كلها.
قرية صاهك
من كورة ارجان. بها بئر ذكر ان أهلها امتحنوا قعرها بالمثقلات والأرسان، فلم يقفوا منها على عمق، يغور الدهر كله، منها ماء بقدر ما يدير الرحى يسقي تلك القرية.
قرية عبد الرحمن
بأرض فارس. عمقها قامات كثيرة جافة القعر عامة السنة، حتى إذا كان الوقت المعلوم عندهم في السنة نبع ماء يرتفع على وجه الأرض، قدر يدير الرحى ويجري وينتفع به في سقي الزروع ثم يغور.
قفط