مدينة طيبة بين الشام ومصر على طرف رمال مصر، قال، صلى الله عليه وسلم: أبشركم بالعروسين غزة وعسقلان. فتحها معاوية بن أبي سفيان في أيام عمر بن الخطاب. وكفاها معجزاً انها مولد الإمام محمد بن إدريس الشافعي. ولد بها سنة خمسين ومائة. انه كان يجعل الليل اثلاثاً: ثلثاً لتحصيل العلم، وثلثاً للعبادة، وثلثاً للنوم. وقال الربيع: كان يختم في رمضان ستين ختمة كل ذلك في الصلاة.
وحكي أن عامل اليمن كتب إلى الرشيد: إن ههنا شاباً قرشياً يميل إلى العلوية ويتعصب، فكتب الرشيد إليه: ابعثه إلي تحت الاستظهار. فحمل إلى الرشيد. حدث الفضل بن الربيع وقال: أمرني الرشيد بإحضار الشافعي، وكان غضبان عليه، فأحضرته فدخل عليه وهو يقرأ شيئاً. فلما رآه أكرمه وأمر له بعشرة آلاف درهم، فدخل خائفاً وخرج آمناً. فقلت: يا أبا عبد الله أخبرني بم كنت تقرأ عند دخولك ؟ فقال: إنها كلمات حدثني بها أنس بن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، انه قرأها يوم الأحزاب؛ فقلت: اذكرها لي. فقال: اللهم اني أعوذ بنور قدسك وعظمة طهارتك وبركة جلالك من كل آفة وعاهة وطارق الجن والانس إلا طارقاً يطرق بخير ! اللهم أنت عياذي فبك أعوذ، وأنت ملاذي فبك ألوذ ! يا من ذلت له رقاب الجبابرة وخضعت له مقاليد الفراعنة، أعوذ بجلال وجهك وكرم جلالك من خزيك وكشف سترك، ونسيان ذكرك والاضراب عن شكرك ! إلهي أنا في كنفك في ليلي ونهاري ونومي وقراري وظعني وأسفاري، ذكرك شعاري وثناؤك دثاري ! لا إله إلا أنت تنزيهاً لأسمائك وتكريماً لسبحات وجهك الكريم ! أجرنا يا ربنا من خزيك ومن شر عقابك، واضرب علينا سرادقات فضلك وقناسيات عذابك، واعنا بخير منك، وأدخلنا في حفظ عنايتك يا أرحم الراحمين ! وقد جربت هذه الكلمات لا يقولها خائف إلا آمنه الله تعالى، وكان الرشيد يقربه ويكرمه لما عرف فضله وغزارة علمه.
وكان القاضي أبو يوسف ومحمد بن حسن رتبا عشرين مسألة وبعثاها على يد حدث من أصحابهما فقال الشافعي له: من حملك على هذا ؟ فقال: من أراد حكمها. فقال: متعنت أو متعلم؟ فسكت الغلام، فقال الشافعي: هذا من تعنت أبي يوسف ومحمد ! ثم نظر فيها وحفظها ورد الدرج إلى الحدث، فأخبر الخليفة بذلك فأحضر أبا يوسف ومحمداً وسألهما عن حال الدرج فاعترفا به، فأحضر الشافعي وقال: بين أحكامها ولك الفضل. فقال: يا أمير المؤمنين قل لهما يسألاني عن واحدة واحدة ويسمعان جوابها بتوفيق الله. فعجزا عن استحضارها، فقال الشافعي: أنا أكفيهما. سألاني عن رجل ابق له عبد فقال: هو حر ان طعمت طعاماً حتى أجده، كيف الخلاص من ذلك ؟ الجواب: يهبه لبعض أولاده ويطعم حتى لا يعتق.
وسألاني عن رجلين كانا فوق سطح فوقع أحدهما من السطح ومات فحرمت على الآخر امرأته. الجواب: ان امرأة الحي كانت أمة للميت، وكان الزوج بعض ورثته، فصارت الأمة ملكاً للزوج بحق الارث فحرمت عليه.
وسألاني عن رجلين خطبا امرأة في حالة واحدة وانها لم تحل لأحدهما وحلت للآخر. الجواب: لأحد الرجلين أربع وهي خامسة فلا تحل له، والآخر ما كان كذلك فحلت له.
وسألاني عن رجل ذبح شاة في منزله وخرج لحاجة ورجع، قال لأهله: كلوا فإنها حرمت علي، فقال له أهله: ونحن أيضاً قد حرمت علينا. الجواب: كان الرجل مجوسياً أو وثنياً، فذبح شاة وخرج لحاجة وأسلم وأهله أيضاً أسلموا، فقال لأهله: كلوا فإني أسلمت لا تحل لي ذبيحة المجوس ! فقال له أهله: نحن أيضاً قد أسلمنا وحرمت علينا أيضاً.
وسألاني عن امرأة تزوجت في شهر واحد ثلاثة أزواج، كل ذلك حلال غير حرام. الجواب: إن هذه المرأة طلقها زوجها وهي حامل فوضعت. انقضت عدتها بالوضع فتزوجت، ثم ان هذا الزوج خالعها قبل الدخول فلا عدة عليها، فتزوج بها آخر وهكذا ان أردت رابعاً وخامساً وسادساً.
وسألاني عن رجل حرمت عليه امرأته سنة من غير حنث أو طلاق أو عدة. الجواب: هذا الرجل وامرأته كانا محرمين فلم يدركا الحج، فلم تزل امرأته تحرم عليه إلى العام القابل، فإذا فرغت من الحج في العام المقبل حلت لزوجها.
وسألا عن امرأتين لقيتا غلامين فقالتا: مرحباً بابنينا وابني زوجينا وهما زوجانا ! الجواب: إن للمرأتين ابنين، وكل واحدة منهما مزوجة بابن صاحبتها، فكان الغلامان ابنيهما وابني زوجيهما وهما زوجاهما.