مدينة بين انطاكية وحلب. مدينة جليلة سميت بطرسوس بن الروم بن اليقن بن سام بن نوح، عليه السلام؛ قالوا: لما وصل الرشيد إليها جدد عماراتها وشق نهرها. ولها سور وخندق.
قال محمد بن أحمد الهمذاني: لم تزل طرسوس موطن الزهاد والصالحين لأنها كانت بين ثغور المسلمين، إلى أن قصدها فغفور ملك الروم سنة أربع وخمسين وثلاثمائة في عسكر عظيم، وكان فيها رجل من قبل سيف الدولة يقال له ابن الزيات عجز عن مقاومة الروم، سلم إليهم على الأمان على شرط أن من خرج منها متاعه لم يتعرض، ومن أراد المقام مع اداء الجزية فعل. فلما دخل الكفار المدينة خربوا مساجدها، وأخذوا من السلاح والأموال ما كان جمع فيها من أيام بني أمية، وأخذ كل واحد من النصارى دار رجل من المسلمين، ولم يطلق لصاحبها إلا حمل الخف، واحتوى على جميع ما فيها، وتقاعد بالمسلمين أمهات أولادهم. فمنهن من منعت الرجل ولده واتصلت بأهلها فيأتي الرجل إلى معسكر الروم ويودع ولده باكياً، ولم تزل طرسوس في أيديهم إلى هذه الغاية.
بها موضع زعموا أنه من حمى الجن، نزل به المأمون لما غزا الروم. وكان هناك عين ماؤها في غاية الصفاء، وكان المأمون جالساً على طرفها فرأى في الماء سمكة مقدار ذراع فأمر بإخراجها، فأخرجوها فإذا هي سمكة في غاية الحسن بيضاء مثل الفضة، فوثبت وعادت إلى الماء فوقعت رشاشات الماء على ثياب المأمون، فغضب وأمر بإخراجها مرة أخرى فأخرجوها والمأمون ينظر إليها ويقول: الساعة نشويك ! ثم أمر بشيها فأتى المأمون على المكان قشعريرة، فأتى صاحب طبخه بالمكة مشوية وهو لم يقدر على تناول شيء منها، واشتد الأمر به حتى مات. قال الشاعر:
هل رأيت النّجوم أغنت عن المأ ... مون في عزّ ملكه المأسوس
غادروه بعرصتي طرسوس ... مثل ماغادروا أباه بطوس
العباسة
بليدة بأرض مصر في غاية الحسن والطيب، سميت بعباسة بنت أحمد بن طولون، كان خمارويه زوج ابنته من المعتضد بالله، وانه خرج بها من مصر إلى العراق فعملت عباسة في هذا الموضع قصراً، وبرزت إليه لوداع بنت أخيها قطر الندى، ثم زيدت في عمارته حتى صارت بليدة طيبة كثيرة المياه والأشجار من متنزهات مصر.
وبها مستنقع يأوي إليه من الطير ما لم ير في شيء من المواضع غيرها، والصيد بها كثير جداً. وكان الملك الكامل يكثر الخروج إليها للتنزه والصيد.
العريش
مدينة جليلة من أعمال مصر. هواؤها صحيح طيب وماؤها عذب حلو.
قيل: ان اخوة يوسف، عليه السلام، لما قصدوا مصر في القحط لامتيار الطعام، فلما وصلوا إلى موضع العريش، وكان ليوسف، عليه السلام، حراس على أطراف البلاد من جميع نواحيها، فسكنوا هناك وكتب صاحب الحرس إلى يوسف: ان أولاد يعقوب الكنعاني قد وردوا يريدون البلد للقحط الذي أصابهم، فإلى أن أذن لهم عملوا عريشاً يستظلون به فسمي الموضع العريش. فكتب يوسف، عليه السلام، يأذن لهم، فدخلوا مصر، وكان من قصتهم ما ذكره الله تعالى.
وبها من الطير الجوارح والمأكول والصيد شيء كثير، والرمان العريشي يحمل إلى سائر البلدان لحسنه، وبها أصناف كثيرة من التمر.
وغدر دهقانها يضرب به المثل. يقال: أغدر من دهقان العريش ! وذاك أن علياً لما سمع أن معاوية بعث سراياه إلى مصر وقتل بها محمد بن أب بكر، ولى الأشتر النخعي مصر وأنفذه إليها في جيش كثيف، فبلغ معاوية ذلك فدس إلى دهقان كان بالعريش وقال: احتل بالسم في الأشتر، فإني أترك خراجك عشرين سنة ! فلما نزل الأشتر العريش سأل الدهقان: أي طعام أعجب إليه ؟ قالوا: العسل ! فأهدى إليه عسلاً، وكان الأشتر صائماً فتناول منه شربة فما استقر في جوفه حتى تلف، فأتى من كان معه على الدهقان وأصحابه وأفنوهم.
عزاز
بليدة بقرب حلب، لها قهندز ورستاق، وهي طيبة الهواء عذبة الماء صحيحة التربة.
من عجائبها أنه لا يوجد بها عقرب أصلاً، وترابها إذا ذر على العقرب ماتت، وليس بها شيء من الهوام أصلاً.
عسقلان