مدينة بالمغرب من بلاد بربر، بينها وبين مراكش ست مراحل، حدثني الفقيه علي بن عبد الله المغربي الجنحاني أنها مدينة كبيرة مسورة، كثيرة الخيرات والثمرات، أهلها برابر مسلمون، بها معادن الفضة عامة، كل من أراد يعالجها. وهي غيران تحت الأرض، فيها خلق كثير يعملون أبداً. ومن عادة أهل المدينة أن من جنى جناية أو وجب عليه حق فدخل شيئاً من تلك الغيران، سقط عنه الطلب حتى يخرج منها. وفيها أسواق ومساكن، فلعل الخائف يعمل فيها مدة وينفق ولا يخرج حتى يسهل الله أمره.
وذكر أنهم إذا نزلوا عشرين ذراعاً نزل الماء فالسلطان ينصب عليها الدواليب ويسقي ماؤها ليظهر الطين، فيخرجه الفلعة إلى ظاهر الأرض ويغسلونها. وإنما يفعل ذلك ليأخذ خمس النيل، وماؤها يسقي ثلاث دفعات، لأن من وجه الأرض إلى الماء عشرين ذراعاً، فينصب دولاباً في الغار على وجه الماء، فيستقي ويصب في حوض كبير، وينصب على ذلك الحوض دولاباً آخر فيستقي ويصب في حوض آخر، ثم ينصب إلى ذلك الحوض دولاباً ثالثاً فيستقي ويجري على وجه الأرض إلى المزارع والبساتين.
وذكروا أن هذه المعاملة لا تصح إلا من صاحب مال كثير له آلاف يقعد على باب الغار ويكري الصناع والعملة، فيخرجون الطين ويغسلونه بين يديه، حتى إذا تم العمل أخرج خمس السلطان وسلم الباقي له، فربما يكون أصغر مما أنفق، وربما يكون دونه على قدر جد الرجل.
سابور
مدينة بأرض فارس، بناها سابور بن أردشير، من دخلها لم يزل يشم روائح طيبة حتى يخرج منها لكثرة رياحينها وأزهارها وكثرة أشجارها. قال البشاري: مدينة سابور نزهة جداً، بها ثمار الجروم والصرود من النخل والزيتون والاترج والجوز واللوز والعنب وقصب السكر. وأنهارها جارية وثمارها دانية. وقراها مشتبكة، يمشي السائر أياماً تحت ظل الأشجار كصغد سمرقند، وعلى كل فرسخ بقال وخباز.
ينسب إليها أبو عبد الله السابوري. كان من أولياء الله تعالى، قال الأستاذ أبو علي الدقاق: إن أبا عبد الله كان صياداً، فإذا نزلنا به أطعمنا من لم الصيد ثم ترك ذلك. فسألناه عن سببه فقال: كنت أنصب شبكتي على عين ماء، فالظباء كانت تأتي لتشرب فتتعلق بالشبكة. فنصبتها في بعض الأيام فإذا أنا بظبية معها غزلان ثلاثة في انتصاف النهار عند شدة الحر، فقصدت الماء لتشرب، فلما رأت الشبكة نفرت عنها وذهبت وقد غلبها وغزلانها العطش، ثم عادت ودنت من الماء، فلما رأت الشبكة جعلت تنظر إليها وترفع رأسها نحو السماء حتى فعلت ذلك مراراً. فما كان إلا قليل حتى ظهرت سحابة سترت الآفاق وأمطرت مطراً سالت منه المياه في الصحراء. فلما شاهدت تلك الحالة تركت الاصطياد.
سبتة
بلدة مشهورة من قواعد بلاد المغرب على ساحل البحر في بر البربر. وهي ضاربة في البحر داخلة فيه. قال أبو حامد الأندلسي: عندها الصخرة التي وصل إليها موسى وفتاه يوشع، عليه السلام، فنسيا الحوت المشوي وكانا قد أكلا نصفه فأحيا الله تعالى النصف الآخر فاتخذ سبيله في البحر عجباً. وله نسل إلى الآن في ذلك الموضع، وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبر وأحد جانبيها صحيح، والجانب الآخر شوك وعظام وغشاء رقيق على أحشائها. وعينها واحدة ورأسها نصف رأس، فمن رآها من هذا الجانب استقذرها ويحسب أنها مأكولة ميتة، والناس يتبركون بها ويهدونها إلى المحتشمين، واليهود يقددونها ويحملونها إلى البلاد البعيدة للهدايا.
سجستان
ناحية كبيرة واسعة تنسب إلى سجستان بن فارس. أرضها كلها سبخة رملة، والرياح فيها لا تسكن أبداً حتى بنوا عليها رحيهم، وكل طحنهم من تلك الرحي. وهي بلاد حارة بها رحي على الريح ونخل كثير، وشدة الريح تنقل الرمل من مكان إلى مكان، ولولا أنهم يحتالون في ذلك لطمست على المدن والقرى.
وإذا أرادوا نقل الرمل من مكان إلى مكان من غير أن يقع على الأرض التي إلى جانب الرمل، جمعوا حول الرمل مثل الحائط من حطب وشوك وغيرهما، وفتحوا من أسفله باباً فتدخله الريح وتطير الرمل إلى أعلاه مثل الزوبعة، فيرتفع ويقع على مد البصر في بعد من ذلك الموضع. ولا يصاد في أرضهم قنفذ ولا سلحفاة لأن أرضهم كثيرة الأفاعي وانها تقتل الأفعى. قال ابن الفقيه: لا يرى بسجستان بيت إلا وتحته قنفذ.