على قلة طور سينا، وهو الجبل الذي تجلى فيه النور لموسى، عليه السلام، وخر موسى صعقاً هناك. والدير مبني بالحجر الأسود، وفي غربيه باب لطيف قدامه حجر، إذا أرادوا رفعه رفعوه وإذا قصدهم قاصد أرسلوه فانطبق على الموضع، ولم يعرف مكان الباب، وفي داخلها عين ماء. وزعم النصارى أن بها ناراً من النار التي كانت ببيت المقدس، وهي نار بيضاء ضعيفة الحر لا تحرق، وتقوى إذا أوقد منها السرج، وهو عامر بالرهبان والناس يقصدونه؛ قال فيه ابن عاصم:
يا راهب الدّير ماذا الضّوء والنّور ... وقد أضاء بما في ديرك الطّور ؟
هل حلّت الشّمس فيه دون أبرجها ... أم غيّب البدر عنه فهو مستور ؟
دير الطير
بأرض مصر على شاطيء النيل، بقرب الجبل المعروف بجبل الكهف. وفي هذا الجبل شق، فإذا كان يوم عيد هذا الدير يأتي صنف من الطير يقال له بوقير، لم يبق منها واحد إلا جاء ذلك الشق، ويشتد عنده صياحها. ولا يزال الواحد بعد الواحد يجعل رأسه في ذلك الشق ويصيح إلى أن يتشبث رأس أحدها بالشق فيضطرب حتى يموت، وعند ذلك تنصرف البقية إلى السنة القابلة، ولا يبقى هناك منها طائر؛ هكذا ذكر الشابشتي، وهذا دليل الخصب في تلك السنة، وربما تشبث على طيرين فيكون الخصب بالغاً جداً.
دير نهيا
بالجيزة من أرض مصر. من أحسن الديارات وأنزهها وأطيبها موضعاً وأجلها موقعاً، عامر بالرهبان، وله في النيل منظر عجيب لأن الماء محيط به من جميع جهاته. فإذا انصرف الماء وزرعت أظهرت أنواع الأزهار وأصناف الأنوار، فتشبه الديباج المنقش، لا يريد الإنسان ان يفارقها، وله خليج تجتمع فيه الطيور فهو متصيد أيضاً؛ ولابن البصري فيه:
أيا دير نهيا إن ذكرت فإنّني ... أسعى إليك على الخيول السّبّق
أوما ترى وجه الرّبيع وقد زهت ... أنواره بنهاره المتألّق ؟
وتجاوبت أطياره وتبسّمت ... أشجاره من ثغر زهرٍ مؤنق
والبدر في وسط السّماء كأنّه ... وجهٌ مضيءٌ في قناعٍ أزرق
وإذا سئلت عن الطّيور وصيدها ... وجنوسها فاصدق وإن لم تصدق
فالغرّ فالكروان فالفارور إذ ... يشجيك في طيرانه المتحلّق
أشهدت حرب الطّير في غيطانه ... لمّا تجوّق منه كلّ مجوّق
الرصافة
مدينة في البرية بقرب الرقة. رأيتها لها سور محكم من الحجر المنحوت. أحدثها هشام بن عبد الملك لما وقع الطاعون بأرض الشام. ليس بها نهر ولا عين، وآبارهم بعيدة العمق رشاؤها مائة وعشرون ذراعاً وهي ملح. وشربهم من الصهاريج داخل المدينة، وقد تفرغ الصهاريج في أثناء الصيف، فيأخذون الماء من الفرات، وبينهما أربعة فراسخ. ولبني خفاجة عليهم مال يؤدونه صاغرين. وصنعة أهلها عمل الأكسية والجوالق والمخالي، منها تحمل إلى سائر البلاد. وكان هشام بن عبد الملك يفزع إليها من البق في شاطيء الفرات.
ومن عجيب هذه البلدة أن ليس بها زرع ولا ضرع ولا ماء، ولا أمن ولا تجارة ولا صنعة مرغوبة ! وأهلها يسكنونها، ولولا حب الوطن لخربت.
الرقادة
بلدة طيبة بافريقية بقرب القيروان، كثيرة البساتين، ليس بافريقية أعدل هواء ولا أطيب نسيماً منها ولا أصح تربة ! حتى إن من دخلها لم يزل مستبشراً من غير أن يعلم لذلك سبباً.
وحكي أن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب مرض وشرد عنه النوم، فعالجه إسحق المتطبب الذي نسب إليه الاطريفل الاسحقي، فأمره بالتردد. فلما وصل إلى هذا الموضع نام فسماه رقادة، واتخذ به دوراً وقصوراً فصارت من أحسن بلاد الله. وكان يمنع بيع النبيذ بالقيروان ولا يمنع بالرقادة، فقال طرفاء القيروان:
يا سيّد النّاس وابن سيّدهم ... ومن إليه الرّقاب منقاده
ما حرّم الشّرب في مدينتنا ... وهو حلالٌ بأرض رقّاده ؟
زكندر