مدينة بأرض الشام حصينة، أصح بلاد الشام هواء وتربة. وهي كثيرة المياه والأشجار ولا يكاد يلدغ بها عقرب أو تنهش حية. ولو غسل ثوب بماء حمص لا يقرب عقرب لابسه إلى أن يغسل بماء آخر.
ومن عجائبها الصورة التي على باب المسجد الذي إلى جانب البيعة، وهي صورة إنسان نصفها العلى، ونصفها الأسفل صورة عقرب. يؤخذ الطين الحر ويطبع به على تلك الصورة وتلقى في الماء حتى يشرب الملدوغ فيبرأ في الحال. وأهلها موصوفون بالجمال المفرط والبلاهة؛ قال الجاحظ: مرت بمص عنز تبعها جمل، فقال رجل لآخر: هذا الجمل من هذا العنز ! فقال الآخر: كلا إنه يتيم في حجره.
ومن العجب أنهم كانوا أشد الناس على علي، رضي الله عنه، فلما انقضت تلك الأيام صاروا من غلاة الشيعة، حتى ان في أهلها كثيراً ممن يرى مذهب النصيرية وأصلحهم الامامية السبابة.
وأما حكومة قاضي حمص فمشهورة: ذكر أنه تحاكم إليه رجل وامرأة، فقالت المرأة: هذا رجل أجنبي مني وقد قبلني، فقال القاضي: قومي إليه وقبليه كما قبلك ! فقالت: عفوت عنه ! فقال لها: مري راشدةً.
وبها قبر خالد بن الوليد، رضي الله عنه، مات بها وهو يقول في مرض موته: تباً للجبناء ! ما على بدني قدر شبر إلا وعليه طعنة أو ضربة، وها أنا أموت على الفراش موت العير !
حوران
قرية من نواحي دمشق، قالوا: انها قرية أصحاب الاخدود، وبها بيعة عظيمة عامرة حسنة البناء، مبنية على عمد الرخام منمقة بالفسيفساء، يقال لها النجران، ينذر لها المسلمون والنصارى، ذكروا أن النذر لها مجرب، ولنذره قوم يدورون في البلاد ركاب الخيل، ينادون: من نذر للنجران المبارك ؟ وللسلطان عليها عطية يؤدونها كل عام.
الحيرة
بلدة قديمة كانت على ساحل البحر بقرب أرض الكوفة، وكان هناك في قديم الزمان بحر. والآن ليس بها أثر البحر ولا المدينة، بل هي دجلة وآثار طامسة. وكانت الحيرة منزل ملوك بني لخم، وهم كانوا ملوك العرب في قديم الزمان، وإياهم أراد الأسود بن يعفر في قوله:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّقٍ ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسّدير وبارقٍ ... والقصر ذي الشّرفات من سنداد
نزلوا بأنقرةٍ يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد
أرضٌ يخيلها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أمّ ذواد
جرت الرّياح على محلّ ديارهم ... فكأنّهم كانوا على ميعاد
ولقد عنوا فيها بأنعم عيشةٍ ... في ظلّ ملكٍ ثابت الأوتاد
فإذا النّعيم وكلّ ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلىً ونفاد
وبنى النعمان بن امريء القيس بن عمرو بن عدي قصراً بظاهر الحيرة في ستين سنة اسمه الخورنق، بناه رجل من الروم يقال له سنمار، وكان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس، فيطلب فلا يوجد. وكان يبني على وضع عجيب لم يعرف أحد أن يبني مثله. ثم إذا وجد يحتج بحجة فلم يزل يفعل هذا ستين سنة. فلما فرغ من بنائه كان قصراً عجيباً لم يكن للملوك مثله. فرح به النعمان فقال له سنمار: اني لأعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله، فقال له النعمان: هل يعرفها أحد غيرك ؟ قال: لا ! فأمر به فقذف من أعلى القصر إلى أسفله فتقطعت أوصاله، فاشتهر ذلك حتى ضرب العرب به المثل فقال الشاعر:
جزاني جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمّارٍ وما كان ذا ذنب
سوى رمّة البنيان ستّين حجّةً ... يعلى عليه بالقراميد والسّكب
فلمّا رأى البنيان تمّ شهوقه ... وآض كمثل الطّود الشّامخ الصّعب
وظنّ سنمّارٌ به كلّ حبوةٍ ... وفاز لديه بالمودّة والقرب
فقال: اقذفوا بالعلج من فوق رأسه ... فهذا لعمر الله من أعجب الخطب