في بحر المغرب؛ قال أبو حامد الأندلسي: على البحر الأسود من ناحية أندلس جبل عليه كنيسة منقورة من الصخر في الجبل، وعليها قبة كبيرة، وعلى القبة غراب مفرد لا يبرح من أعلى القبة. وفي مقابلة الكنيسة مسجد يزوره الناس ويقولون: إن الدعاء فيه مستجاب. وقد شرط على القسيسين الذين يسكنون تلك الكنيسة ضيافة كل مسلم يقصد ذلك المسجد. فكلما وصل أحد إلى ذلك المسجد أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبة، ويصيح بعدد كل رجل صيحة، فيخرج الرهبان بالطعام إلى أهل المسجد ما يكفيهم. وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب، وزعم القسيسون أنهم ما زالوا يرون غراباً على تلك الكنيسة ولا يدرون من أين مأكله !
جفار
أرض بين فلسطين ومصر مسير سبعة أيام، كلها رمال سائلة نبض فيها قرى ومزارع ونخل كثير. وأهلها يعرفون آثار الأقدام في الرمل حتى يعرفون وطء الشباب من الشيخ، والرجل من المرأة، والبكر من الثيب، ومع كثرة بساتينهم لا حاجة لهم إلى النواطير، لأن أحدهم لا يقدر أن يعدو على غيره، لأن الرجل إذا أنكر شيئاً من بستانه يمشي على آثار القدم، ويلحق سارقه ولو سار يوماً أو يومين.
بها نوع من الطير يأتيهم من بلاد الروم يسمى المرغ، يشبه السلوى، يأتي في وقت معين يصيدون منها ما شاء الله ويملحونها، ويأتيهم أيضاً من بلاد الروم على البحر في وقت من السنة جوارح كثيرة الشواهين والصقور والبواشق. وقلما يقدرون على البازي، وما سواه يصيدونها وينتفعون بها.
جنابة
بليدة على ساحل بحر فارس سيئة الهواء رديئة الماء، لا زرع بها ولا ضرع لأن أرضها سبخة، وماءها ملح، رأيتها، ذكروا أنهم إذا أرادوا ماء عذباً بها حفروا حفيرة كبيرة وطموها بالطين الحر يأتون به من غير أرضهم، فإذا طموا الحفرة بالطين الحر حفروها بئراً فيها يكون ماؤها طيباً. وأهلها لفيف متفرق من الجور والبد والفسق، والفجور فيها أظهر من الصلاة والأذان في غيرها.
ينسب إليها أبو الحسن القرمطي الجنابي، خرج إلى البحرين ودعا العرب إلى نحلته، فاجتمع عليه خلق كثير وكسر عسكر الخليفة وقتل على فراشه، فقام ابنه سليمان وقتل حجاج بيت الله الحرام، ونهب على الكعبة وقلع الحجر الأسود ونقله إلى الاحساء وبقي عندهم إحدى وعشرين سنة، ثم ردوه بمال عظيم.
وظهر في أول رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة غلام فاجر، يقال له ابن أبي زكرياء الطمامي، دعا الناس إلى ربوبيته، وذاك الغلام الفاجر يأمر بعبادة النار وقطع يد من أطفأ ناراً أو لسان من أطفأها بالنفخ. وأمر الغلمان بطاعة طلابهم ومن امتنع أمر بذبحه، ثم سلط الله عليه من تولى إظهاره فذبحه ورجع عن القرمطة.
جور
مدينة نزهة بأرض فارس كثيرة المياه والبساتين؛ قال الاصطخري: ان الرجل يسير من كل جانب منها نحو فرسخ في بساتين وقصور. بناها أردشير بابك. وفي وسط المدينة بناء عال يسمى الطربال. والإنسان إذا علا ذلك البناء أشرف على المدينة وعلى رساتيقها وبنى في أعلاها بيت نار. وبحذاء المدينة جبل استنبط منه الماء وعلاه إلى رأس الطربال.
وبها البئر العجيبة التي ليس في شيء من البلاد مثلها، وهي على باب المدينة مما يلي شيراز، وقد أكبوا على قعرها قدراً من نحاس، يخرج من ثقبة ضيقة في ذلك القدر ماء حاد جداً ويصل إلى صفة البئر بنفسه، ولا يحتاج إلى استقاء الماء منها.
وبها الورد الجوري وهو ورد أحمر صافي اللون من أجود أنواع الورد، يتمثل بطيب رائحته؛ قال الشاعر:
أطيب ريحاً من نسيم الصّبا ... جاءت بريّا الورد من جور
وحكى أحمد بن يحيى بن جابر أن جور نزل عليها المسلمون سنين، فعجزوا عن فتحها حتى نزل عليها عبد الله بن عامر. وكان بعض أجناد المسلمين قام بالليل يصلي وإلى جانبه جراب فيه خبز ولحم، فجاء كلب جره وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل خفي لها، فدخل المسلمون من ذلك المدخل، فأصبح أهل جور والمدينة ممتلئة من المسلمين، ملكوها قهراً.
جيرفت
مدينة كبيرة بكرمان، آهلة كثيرة الخيرات وافرة الثمرات؛ قال الاصطخري: بها نخل كثير، ولأهلها سنة وهي أنهم لا يرفعون شيئاً من الثمرات التي أسقطتها الريح بل يتركونها للضعفاء، فربما كثرت الريح في بعض السنين فيحصل للضعفاء أكثر مما يحصل للملاك.
جيزة