FluentPlex

Monuments of the Lands

تاهرت

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وحكى أبو عبد الله محمد بن خفيف قال: دخلت على الحسين بن منصور وهو في الحبس مقيداً. فلما حضر وقت الصلاة رأيته نهض، فتطايرت منه القيود وتوضأ وهو على طرف المحبس، وفي صدر ذلك المحبس منديل. وكان بينه وبين المنديل مسافة، فوالله ما أدري أن المندير قدم إليه أو هو إلى المنديل ! فتعجبت من ذلك وهو يبكي بكاء فقلت له: لم لا تخلص نفسك ؟ فقال: ما أنا محبوس ! أين تريد يا ابن خفيف ؟ قلت: نيسابور ! فقال: غمض عينيك ! فغمضتهما. ثم قال: افتحهما. ففتحت فإذا أنا بنيسابور في محلة أردتها. فقلت: ردني. فردني وقال:

والله لو حلف العشّاق أنّهم ... موتى من الحبّ أو قتلى لما حنثوا

قومٌ إذا هجروا من بعد ما وصلوا ... ماتوا وإن عاد وصلٌ بعده بعثوا

ترى المحبّين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا

ثم قال: يا ابن خفيف، لا يكون الحزن إلا لفقد محبوب أو فوت مطلوب ! والحق واضح والهوى فاضح. والخلق كلهم طلاب وطلبهم على قدر هممهم، وهممهم على قدر أحوالهم، وأحوالهم مطبوعة على علم الغيب، وعلم الغيب غائب عنهم، والخلق كلهم حيارى. وأنشأ يقول:

أنين المريد لشوقٍ يزيد ... أنين المريض لفقد الطّبيب

قد اشتدّ حال المريدين فيه ... لفقد الوصال وبعد الحبيب

ثم قال: يا ابن خفيف، حججت إلى زيارة القديم فلم أجد لقوم موضعاً من كثرة الزائرين، فوقفت وقوف البهيت، فنظر إلي نظرة فإذا أنا متصل به، ثم قال: من عرفني ثم أعرض عني فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. وجعل يقول:

عذابه فيك عذبٌ ... وبعده منك قرب

وأنت عندي كروحي ... بل أنت منها أحبّ

وأنت للعين عينٌ ... وأنت للقلب قلب

حتى من الحبّ إني ... لما تحبّ أحبّ

وحكي أن حبسه كان في عهد المقتدر بالله، وكان الوزير حامد بن العباس سيء الظن فيه، فأحضر عند الوزير وقاضي القضاة أبي عمرو وقالوا له: بلغنا أنك قلت: من كان له مال يتصدق به على الفقراء خير من أن يحج به ! فقال الحسين: نعم ! أنا قلت ذلك ! فقالوا له: من أين قلت هذا ؟ فقال: من الكتاب الفلاني ! فقال القاضي: كذبت يا زنديق ! ذلك الكتاب سمعناه فما وجدنا فيه هذا ! فقال الوزير للقاضي: اكتب انه زنديق ! فأخذ خط القاضي وبعث إلى الخليفة فأمر الخليفة بصلبه، ولما أخرج استدعى بعض الحجاب وقال: إني إذا أحرقت يأخذ ماء دجلة في الزيادة حتى تكاد تغرب بغداد، فإذا رأيتم ذلك خذوا شيئاً من رمادي واطرحوه في الماء ليسكن ! وكان ينشد هذين البيتين:

اقتلوني يا ثقاتي، إنّ في موتي حياتي ... ومماتي في حياتي، وحياتي في مماتي

والذي حيّ قديمٌ غير مفقود الصّفات ... وأنا منه رضيعٌ في حجور المرضعات

وحكي أن بعض من كان ينكره لما صلب وقف بإزائه يقول: الحمد لله الذي جعلك نكالاً للعالمين وعبرة للناظرين ! فإذا هو بالحسين ورآه واضعاً يديه على منكبيه يقول: ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ! فلما صلب وأحرق أخذ الماء في الزيادة حتى كادت تغرق بغداد ! فقال الخليفة: هل سمعتم من الحلاج فيه شيئاً ؟ قال الحاجب: نعم يا أمير المؤمنين إنه قال كذا وكذا. فقال: بادروا إلى ما قال! فطرحوا رماده في الماء فصار رماده على وجه الماء على شكل الله مكتوباً وسكن الماء. وكان ذلك في سنة تسع وثلاثمائة، والله الموفق.

تاهرت

اسم مدينتين مقابلتين بأقصى المغرب، يقال لإحداهما تاهرت القديم، وللأخرى الحديث، وهما كثيرتا الأشجار وافرتا الثمار. سفرجلهما يفوق سفرجل الآفاق طعماً وحسناً، وبهما كثرة الأمطار والانداء والضباب وشدة البرد، قلما ترى الشمس بها.

وذكر أن اعرابياً دخلها، وتأذى من شدة بردها فخرج منها إلى أرض السودان، فأتى عليه يوم شديد الحر فنظر إلى الشمس راكدة على قمم رؤوسهم، فقال مشيراً إلى الشمس: والله لئن عززت في هذا المكان لطالما رأيتك ذليلة بتاهرت !

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا