ناحية بين البصرة وفارس، ويقال لها خوزستان، بها عمارات ومياه وأودية كثيرة، وأنواع الثمار والسكر والرز الكثير لكنها في صيفها لا يفارق الجحيم. ومن محنها شدة الحر وكثرة الهوام الطيارة والحشرات القتالة؛ قالوا: ذبابها كالزنبور وطنينها كصوت الطنبور، لا ترى بها شيئاً من العلوم والآداب ولا من الصناعات الشريفة.
وأهلها ألأم الناس. لا ترى بها وجنة حمراء. وهواؤها قتال خصوصاً للغرباء، لا تنقطع حماها ولا ينكشف وباؤها البتة، وأهلها في عذاب اليم.
وحكى مشايخ الأهواز انهم سمعوا القوابل ان المولود ربما يولد فنجده محموماً تلك الساعة. ومن تمام محنهم أن مأكول أهلها الرز، وهم يخبزونه كل يوم لأنه لا يطيب إلا مسخناً، فيسجر كل يوم في ذلك الحر الشديد خمسون ألف تنور، فيجتمع حر الهواء وحر النيران ودخانها والبخار المتصاعد من سباخها ومناقعها ومسايل كنفها ومياه أمطارها، فإذا طلعت الشمس ارتفعت بخاراتها واختلطت بهوائها الذي وصفناه، فيفسد الهواء أي فساد ويفسد بفساده كل ما اشتمل عليه.
وتكثر الأفاعي في أراضيها، والجرارات من العقارب التي لا ترفع ذنبها كسائر العقارب بل تجره. ولو كان في العالم شيء شراً من الأفاعي والجرارات لما قصرت قصبة الاهواز عن توليده، وإذا حمل إلى الاهواز الطيب تذهب رائحته ولا يبقى منتفعاً به.
ينسب إليها أبو الحسن الاهوازي المنشيء صاحب الكلام المرصع، له رسالة حسنة في ذلك الأسلوب وهو متفرد به.
أيلة
مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، كانت مدينة جليلة في زمن داود، عليه السلام، والآن يجتمع بها حجيج الشام ومصر من جاء بطريق البحر، وهي القرية التي ذكرها الله تعالى حاضرة البحر.
كان أهلها يهوداً حرم الله تعالى عليهم يوم السبت صيد السمك، وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً كأنها الماخض حتى لا يرى وجه الماء لكثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. فكانوا على ذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن صيدها يوم السبت فاتخذوا حياضاً حول البحر، وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت، فتبقى فيها محصورة واصطادوا يوم الأحد، وفي غير يوم السبت لا يأتيهم حوت واحد، ففعلوا ما أمرهم الشيطان خائفين. فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم أخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا.
وكان أهل القرية نحواً من سبعين ألفاً فصاروا أثلاثاً: ثلث ينهون القوم عن الذنب، وثلث قالوا: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ؟ وثلث يباشرون الخطيئة. فلما تنبهوا قال الناهون: نحن لا نساكنكم. فقسموا القرية للناهين باب وللمتعدين باب، ولعنهم داود، عليه السلام. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم لم يروا من المتعدين أحداً، فقالوا: إن للقوم شأناً، لعل الخمر غلبتهم ! فعلوا الجدار ونظروا فإذا هم قردة فدخلوا عليهم، والقردة تعرف أنسابها والأنساب لا يعرفونها. فجعلت القردة تأتي نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتذرف دمعة، فيقول نسيبها: ألم أنهك عن السوء؟ فتشير القردة برأسها يعني نعم. ثم ماتت بعد ثلاثة أيام.
باميان
ناحية بين خراسان وأرض الغور، ذات مدن وقرى وجبال وأنهار كثيرة من بلاد غزنة. بها بيت ذاهب في الهواء وأساطين نقش عليها صور الطير، وفيه صنمان عظيمان من الحجر: يسمى أحدهما سرج بت، والآخر خنك بت، وما عرف خاصية البيت ولا خاصية الصنم.
قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض باميان ضيعة غير مسكونة، من نام فيها يزبنه أخذ برجله، فإذا انتبه لا يرى أحداً، فإن نام يفعل به ذلك مرة أخرى حتى يخرج منها.
بها معادن الزئبق ذكره يعقوب البغدادي.
قال في تحفة الغرائب: بأرض باميان عين ينبع منها ماء كثير ولها صوت وغلبة ويشم من ذلك الماء رائحة الكبريت، من اغتسل به يزول جربه، وإذا رفع من ذلك الماء شيء في ظرف وشد رأسه شداً وثيقاً وترك يوماً يبقى الماء في الظرف خاثراً مثل الخمير، وإذا عرضت عليه شعلة النار يشتعل.