حكى الطرطوشي: لهم عيد اجتمعوا فيه كلهم لتعظيم المعبود والأكل والشرب، ومن ذبح شيئاً من القرابين ينصب على باب داره خشباً ويجعل القربان عليه، بقراً كان أو كبشاً أو تيساً أو خنزيراً، حتى يعلم الناس انه يقرب به تعظيماً لمعبوده. والمدينة قليلة الخير والبركة. أكثر مأكولهم السمك فإنه كثير بها. وإذا ولد لأحدهم أولاد يلقيهم في البحر ليخف عليه نفقتهم.
وحكي أيضاً أن الطلاق عندهم إلى النساء، والمرأة تطلق نفسها متى شاءت.
وبها كحل مصنوع إذا اكتحلوا به لا يزول أبداً، ويزيد الحسن في الرجال والنساء، وقال: لم أسمع غناء أقبح من غناء أهل شلشويق. وهي دندنة تخرج من حلوقهم كنباح الكلاب وأوحش منه.
شناس
بليدة من بلاد لكزان على طرف جبل شاهق جداً، لا طريق إليها إلا من أعلى الجبل، فمن أراد أن يأتيها أخذ بيده عصا وينزل يسيراً يسيراً من شدة هبوب الريح، لئلا تسفره الريح. والبرد عندهم في غاية الشدة سبعة أشهر. فيها كلبة وينبت عندهم نوع من الحب يقال له السلت، وشيء من التفاح الجبلي. وأهلها أهل الخير والصلاح والضيافة للفقراء والإحسان إلى الغرباء، وصنعتهم عمل الأسلحة كالدروع والجواشن وغيرها من أنواع الأسلحة.
ظاخر
مدينة كبيرة آهلة على ست مراحل من جنزة، وهي قصبة بلاد لكزان. البرد بها شديد جداً. حدثني الفقيه يوسف بن محمد الجنزي أن ماءها من نهر يسمى ثمور، يكون جامداً في الشتاء والصيف، يكسرون الجمد ويسقون الماء من تحته، فإذا اسقوا وجعلوه في جرة تركوها في غطاء من جلد الغنم، لئلا يجمد في الحال. وقوتهم من حب يقال له السلت، يشبه الشعير في صورته، وطبعه طبع الحنطة، ولا تجارة عندهم ولا معاملة، بل كل واحد يزرع من هذا الحب قدر كفايته، ويتقوت به وبدر غنيمات له ورسلها ويلبس من صوفها.
ولا رئيس بل عندهم خطيب يصلي بهم، وقاض يفصل الخصومات بينهم على مذهب الإمام الشافعي، وأهل المدينة كلهم شافعية، بها مدرسة بناها الوزير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحق، وفيها مدرس وفقهاء، وشرط لكل فقيه فيها كل شهر رأس غنم وقدر من السلت، وذكر أنهم نقلوا مختصر المزني إلى لغة اللكزية، وكذلك كتاب الإمام الشافعي، ويشتغلون بهما.
فاراب
ولاية في تخوم الترك بقرب بلاد ساغو، مقدارها في الطول والعرض أقل من يوم، إلا أن بها منعة وبأساً. وهي أرض سبخة ذات غياض.
ينسب إليها الأديب الفاضل إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب كتاب صحاح اللغة، وكذلك خاله إسحق بن إبراهيم، صاحب ديوان الأدب، ومن العجب أنهما كانا من أقصى بلاد الترك، وصارا من أئمة العربية !
فرغانة
ناحية بما وراء النهر متاخمة لبلاد الترك كثيرة الخيرات وافرة الغلات؛ قال ابن الفقيه: بناها أنوشروان كسرى الخير. نقل إليها من كل أهل بيت وسماها هرخانه، بها جبال ممتدة إلى بلاد الترك، وفيها من الأعناب والتفاح والجوز وسائر الفواكه، ومن الرياحين الورد والبنفسج وغيرهما، كلها مباح لا مالك لها، وفيها وفي أكثر جبال ما وراء النهر الفستق المباح. وبها من المعادن معدن الذهب والفضة والزئبق والحديد والنحاس، والفيروزج والزاج والنوشاذر والنفط والقير والزفت، وبها جبل تحترق حجارته مثل الفحم، يباع، وإذا احترق يستعمل رماده في تبييض الثياب؛ قال الاصطخري: لا أعرف مثل هذا الحجر في جميع الأرض. وبها عيون ماؤها يجمد في الصيف عند شدة الحر، وفي الشتاء يكون حاراً جداً حتى يأوي إليها السوام لدفء موضعها.
قسطنطينية
دار ملك الروم، بينها وبين بلاد المسلمين البحر الملح، بناها قسطنطين بن سويروس صاحب رومية، وكان في زمن شابور ذي الأكتاف، وجرى بينهما محاربات استخرج الحكماء وضعها. لم يبن مثلها قبلها ولا بعدها، والحكاية عن عظمها وحسنها كثيرة، وهذه صورتها: والآن لم تبق على تلك الصورة، لكنها مدينة عظيمة. بها قصر الملك يحيط به سور دورته فرسخ، له ثلثمائة باب من حديد، فيه كنيسة الملك، وقبتها من ذهب، لها عشرة أبواب: ستة من ذهب، وأربعة من فضة. والموضع الذي يقف فيه الملك أربعة أذرع في أربعة أذرع، مرصع بالدر والياقوت، والموضع الذي يقف فيه القس ستة أشبار من قطعة عود قماري.