ولما بلغ عبد الملك بن مروان خبر مدينة النحاس وخبر ما فيها من الكنوز، وان إلى جانبها بحيرة فيها كنوز كثيرة وأموال عظيمة، كتب إلى موسى بن نصير عامل المغرب، وأمره بالمصير إليه والحرص على دخولها، وان يعرفه حالها، ودفع الكتاب إلى طالب بن مدرك، فحمله إلى موسى وهو بالقيروان، فلما قرأه تجهز وسار في ألف فارس نحوها، فلما رجع كتب إلى عبد الملك: بسم الله الرحمن الرحيم. أصلح الله الأمير صلاحاً يبلغ به خير الدنيا والآخرة. أخبرك يا أمير المؤمنين أني تجهزت لأربعة أشهر وسرت في مفاوز الأندلس، ومعي ألف رجل، حتى أوغلت في طرق قد انطمست ومناهل قد اندرست، وعفت فيها الآثار وانقطعت عنها الأخبار، فسرت ثلاثة وأربعين يوماً أحاول مدينة لم ير الراؤون مثلها، ولم يسمع السامعون بنظيرها. فلاح لنا بريق شرفها من مسيرة ثلاثة أيام، فأفزعنا منظرها الهائل وامتلأت قلوبنا رعباً من عظمها وبعد أقطارها. فلما قربنا منها إذا أمرها عجيب ومنظرها هائل، فنزلنا عند ركنها الشرقي ثم وجهت رجلاً من أصحابي في مائة فارس وأمرته أن يدور حول سورها ليعرف بابها، فغاب عنا يومين ثم وافى اليوم الثالث فأخبرني انه ما وجد لها باباً ولا أرى إليها مسلكاً، فجمعت أمتعة أصحابي إلى جانب سورها وجعلت بعضها على بعض لأنظر من يصعد إليها فيأتيني بخبر ما فيها، فلم تبلغ أمتعتنا ربع الحائط لارتفاعه، فأمرت عند ذلك باتخاذ السلالم وشد بعضها إلى بعض بالحبال، ونصبتها إلى الحائط، وجعلت لمن يصعد إليها ويأتيني بخبر ما فيها عشرة آلاف درهم، فانتدب لذلك رجل من أصحابي يتسنم ويقرأ ويتعوذ. فلما صار على سورها وأشرف على ما فيها قهقه ضاحكاً ونزل إليها، فناديناه أن أخبرنا بما فيها وبما رأيته فلم يجبنا. فجعلت لمن يصعد ويأتيني بخبر ما فيها وخبر الرجل ألف دينار، فانتدب رجل من حمير وأخذ الدنانير ثم صعد. فلما استوى على السور قهقه ضاحكاً ثم نزل إليها، فناديناه أن أخبرنا بما ترى فلم يجبنا. فصعد ثالث وكان حاله مثل حال الرجلين، فامتنع أصحابي بعد ذلك من الصعود، فلما أيست عنها رحلت نحو البحيرة وسرت مع سور المدينة، فانتهيت إلى مكان من السور فيه كتابة بالحميرية فأمرت بانتساخها فكانت:
ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن ... يرجو الخلود وما حيٌّ بمخلود !
لو انّ حيّاً ينال الخلد في مهلٍ ... لنال ذاك سليمان بن داود
سالت له العين عين القطر فائضةً ... فيه عطاءٌ جزيلٌ غير مصرود
وقال للجنّ أنشوا فيه لي أثراً ... يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يودي
فصيّروه صفاحاً ثمّ ميل به ... إلى البناء بإحكامٍ وتجويد
وأفرغوا القطر فوق السّور منحدراً ... فصار صلباً شديداً مثل صيخود
وصبّ فيه كنوز الأرض قاطبةً ... وسوف تظهر يوماً غير محدود
لم يبق من بعدها في الأرض سابغةً ... حتى تضمّن رمساً بطن أخدود
وصار في قعر بطن الأرض مضطجعاً ... مضمّناً بطوابيق الجلاميد
هذا ليعلم أنّ الملك منقطعٌ ... إلاّ من الله ذي التقوى وذي الجود