مدينة بالأندلس قديمة بقرب اشبيلية، كثيرة الحيرات فائضة البركات، بها آثار قديمة، بها نهر لهشر، وبهذا النهر ثلاث عيون: إحداها عين لهشر وهي أغزرها ماء وأعذبها، والثانية عين الشب فإنها تنبعث بالشب، والثالثة عين الزاج فإنها تنبعث بالزاج، فإذا غلبت عين ماء لهشر صار الماء عذباً، وإذا غلبت عين الشب أو الزاج حال طعم الماء.
قال العذري: سور المدينة قد عقد بناؤه على تصاوير أربعة: صنم يسمى درديا وعليه صنم آخر، وصنم يسمى مكيخا وعليه صنم آخر. والمدينة مبنية على هذه الأصنام وما علا من البناء موضوع على أعناقها. ومدينة لبلة انفردت بهذه البنية على سائر المدن.
وبها صيد البر والبحر جميعاً. ويجلب منها العصفر الجيد، والعناب الذي لا نظير له في الآفاق، ويعمل بها الأديم الجيد الذي يحاكي الطائفي.
لشبونة
مدينة بالأندلس قديمة في غربي قرطبة قريبة إلى البحر. بها جبال فيها أوكار البزاة الخلص، ولا تكون في غيرها. ولعسلها فضل على كل عسل بالأندلس يشبه السكر، إذا لف في خرقة لا يلوثها.
وبها معدن التبر الخالص، ويوجد بساحلها العنبر الفائق، ملكها الفرنج سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وهي إلى الآن بيدهم.
لورقة
مدينة كبيرة بالأندلس، قاعدة كورة تدمير. هي أكرم بقاع الأندلس وأكثرها خيراً سيما الفواكه، فإن بها من أصناف الفواكه ما لا يوجد في غيرها حسناً وكثرة، سيما الكمثرى والرمان والسفرجل. ومن قوة أرضها ما ذكره العذري أن بها عنباً وزن العنقود منه خمسون رطلاً بالبغدادي، وان الحبة من الحنطة تصيب هناك مائة حبة.
وبأرض لورقة يسقي نهر كنيل مصر، يبسط على الأرض فإذا غاض يزرع عليه، ويبقى طعامها في المطامير خمسين سنة وأكثر ولا يتغير، وكثيراً ما تصيبها آفة الجراد. وحكي انه كانت في بعض كنائسها جرادة من ذهب، وكانت لورقة آمنة من جائحة الجراد، فسرقت تلك الجرادة فظهر الجراد في ذلك العام، ولم يفقد بعد ذلك. وأيضاً لم توجد بها علة البقر التي تسمى اللقيس إلى أن وجد في بعض الأساس ثوران من صفر، أحدهما قدام الآخر، يلتفت إليه. فلما أخذ من ذلك الموضع وقعت اللقيس في ذلك العام.
ومن عجائبها شجرة زيتونة في كنيسة في حومة جبل، في كل سنة في وقت معلوم تنور وتعقد وتسود وتطيب في يوم آخر، وهي مشهورة عرفها الناس؛ حكى العذري أن هذه الشجرة قطعها أصحابها، وهم نصارى، وإنما فعلوا ذلك لكثرة الواردة عليهم بسببها وتزاحم الناس، فبقيت مقطوعة زماناً ثم لقحت بعد ذلك، وهي الآن باقية؛ كذا ذكره العذري في شهور سنة خمسين وأربعمائة. وقال أيضاً: أخبرني إبراهيم بن أحمد الطرطوشي قال: سمعت ملك الروم يقول إني أريد أن أرسل إلى أمير المؤمنين بالأندلس هدية، فإن من أعظم حوائجي عنده انه صح عندي أن في الفاتحة الكريمة كنيسة، وفي الدار منها زيتونة إذا كانت ليلة الميلاد تورقت وعقدت وأطعمت من نهارها. اعلم أن لشهيدها محلاً عظيماً عند الله، فأتضرع إلى معاليه في تسلية أهل تلك الكنيسة ومداراتهم حتى يسمحوا بعظام ذلك الشهيد، فإن حصل لي هذا كان أجل من كل نعمة.
وبها وادي الثمرات؛ ذكر العذري أن هناك أرضاً تعرف بوادي الثمرات يرد إليه ماء واد هناك يسقيه، فينبت التفاح والكمثرى والتين والزيتون ونحوها سوى شجر التوت من غير غرس أصل؛ لقد حدث بذلك جماعة من ثقات الناس.
مالطة
جزيرة بقرب جزيرة الأندلس، عظيمة الخيرات كثيرة البركات، طولها نحو ثلاثين ميلاً، وهي آهلة وبها مدن وقرى وأشجار وأثمار، غزاها الروم بعد الأربعين والأربعمائة. حاربوهم وطلبوا منهم الأموال والنساء، فاجتمع المسلمون وعدوا أنفسهم وكان عدد عبيدهم أكثر من عدد الأحرار، فقالوا لعبيدهم: حاربوا معنا فإن ظفرتم فأنتم أحرار وما لنا لكم، وإن توانيتم قتلنا وقتلتم ! فلما وافى الروم حملوا عليهم حملة رجل واحد، ونصرهم الله فهزموهم، وقتلوا من الروم خلقاً كثيراً، ولحق العبيد بالأحرار، واشتدت شوكتهم فلم تغزهم الروم بعد ذلك أبداً.