بها جبل الثلج مطل عليها، على ذروته توجد أيام الصيف صنوف الرياحين والرياض المونقة، وأجناس الأفاويه وضروب العقاقير. وبها شجرة الزيتون التي هي من عجائب الدنيا؛ قال أبو حامد الأندلسي: بقرب غرناطة بالأندلس كنيسة عندها عين ماء وشجرة زيتون، والناس يقصدونها في يوم معلوم من السنة، فإذا طلعت الشمس ذلك اليوم أخذت تلك العين بإفاضة الماء، ففاضت ماء كثيراً، ويظهر على الشجرة زهر الزيتون ثم ينعقد زيتوناً، ويكبر ويسود في يومه ذلك اليوم، فيأخذ من ذلك الزيتون من قدر على أخذه، ومن ذلك الماء للتداوي. وقال محمد بن عبد الرحيم الغرناطي إنها بغرناطة. وحدثني الفقيه سعيد بن عبد الرحمن الأندلسي انها بسقورة. وقال العذري: انها بلورقة. والقائلون كلهم أندلسيون، والمواضع المذكورة كلها من أرض الأندلس، فجاز ان كل واحد منهم اضافه إلى موضع قريب منه.
غنجرة
مدينة في داخل الروم. بها نهر يسمى المقلوب لأنه آخذ من الجنوب إلى الشمال بخلاف سائر الأنهار. حكي عنها انه وقعت بها في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ليلة الاثنين الخامس من آب زلزلة هائلة، وتتابعت إلى اليوم. سقط منها أبنية كثيرة، وخسف هناك حصن وكنيسة حتى لم يبق لهما أثر، وتبع من ذلك الخسف ماء حار كثير شديد الحرارة، حتى غرق منه سبعون ضيعة، وهرب خلق كثير من أهل تلك الضياع إلى رؤوس الجبال، وبقي ذلك الماء على وجه الأرض تسعة أيام ثم نضب.
فاراب
مدينة من بلاد ما وراء النهر. ينسب إليها الحكيم الأفضل أبو نصر بن طرخان الفارابي، وهو أول حكيم نشأ في الإسلام. فهم كلام أرسطاطاليس ونقله إلى اللغة العربية، وقد خصه الله تعالى بمزيد فطانة حتى أحكم أنواع الحكمة حتى علم الموسيقى والكيمياء، فكان يمشي في البلاد متنكراً من خوف الملوك، فإنهم كانوا يطلبونهن فإذا وصل إلى مدينة وأعجبته تلك المدينة سكنها مدة، ويشتري بها داراً وبستاناً وجواري وعبيداً، فإذا مل عنها زوج الجواري من العبيد ووهب الأملاك لهم وفارقها، ولا يرجع إليها أبداً.
وكان معاصراً للصاحب بن عباد، وزير مجد الدولة بن بويه، وكان الصاحب شديد الطلب له؛ حكي أن الصاحب أو غيره ظفر به ذات مرة، وقد عرفوه واحترموا جانبه وأبو نصر انبسط معهم، وكان حاذقاً بعلم الموسيقى فأخذ في بعض مجالسهم شيئاً من الملاهي، وضرب ضرباً فضحك القوم كلهم، ثم ضرب ضرباً فبكى القوم كلهم، ثم ضرب ضرباً فنام القوم كلهم، ثم قام وفارقهم وهرب.
وقيل: ان الصاحب بن عباد كان بالري، فدخل عليه أبو نصر متنكراً فما عرفه. وحكي أن أبا نصر. كان في قفل يمشي في بلاد الشام، فوقع عليهم اللصوص فسلم إليهم ماله وخيله فأبوا إلا قتله، فنزل عن الدابة وتستر بالمجن، وكان حاذقاً في الرمي، فقاتل حتى قتل في سنة أربعين وثلاثمائة.
فبرة
مدينة قديمة بأرض الأندلس بقرب قرطبة، قال العذري: بها مغارة عجيبة لا يعرف قدرها البتة يقال لها باب الرياح، إذا وقفت عليه وعلقت فيه ثوباً رفعته الريح في الجو. وقال أيضاً: إن بعض ملوك بني أمية أمر أن يردم ذلك الغار بالتبن، فحشدوا أهل الناحية وأمروهم بذلك حتى استوى الردم إلى أعلى الغار، وقعد الناس على فم الغار فتحرك بهم الردم وساخ من ساعته، ونجا الناس. ولم يعلم أين ذهب ذلك التبن، إلا أنهم رأوا بعض منابع ذلك الجبل أخرج منه بعض ذلك التبن.
فراغة
مدينة بالأندلس بقرب لاردة. وهي مدينة حسنة البنيان ذات مياه وبساتين كثيرة. وإنها حسنة المنظر طيبة المخبر. بها سراديب تحت الأرض كثيرة، وهي عندهم ملجأ من العدو إذا طرقهم. وصفتها أنها بئر ضيقة الرأس واسعة الأسفل، وفي أسفلها أزقة كثيرة مختلفة كنافقاء اليربوع، فلا يوصل إليها من أعلى الأرض ولا يجسر الطالب على دخولها، وإن انتشر فيها الدخان دخوا في الأزقة وسدوا أبوابها حتى يرجع الدخان عنهم، وإن طموها يكون لها باب آخر خرجوا منه، وتسمى هذه السراديب عندهم الفجوج، ويخرج في عملها الأموال بالوصية وغيرها. وإن ذلك عندهم من أبواب البر.
فرمنتيرة