وحكي أن السبب في بناء هذه المدينة أن بعض الملوك غضب على جمع من أصحاب مملكته، فأمر بنفيهم إلى موضع بعيد عن العمارات، فنفوهم إلى هذا المكان وتركوهم، وكان موضعاً منقطعاً عن البلاد لا زرع به ولا ضرع. فلما كان بعد مدة جرى ذكرهم عند الملك، فأمر بكشف خبرهم فجاؤوا إليهم فوجدوهم قد بنوا أكواخاً ويتقوتون بصيد السمك، وكان عندهم حطب كثير فقالوا لهم: كيف حالكم ؟ قالوا: لنا هذا السمك وهذا الحطب. فسمي الموضع خوارزم لأن بلغتهم خوار اللحم ورزم الحطب، فبعث الملك إليهم أربعمائة جارية من سبي الترك على عدد الرجال المنفيين، فتوالدوا وتناسلوا فلهذا ترى صورهم صور الأتراك وطباعهم طباع الترك. وفيهم جلادة وقوة فعمروا ذلك الموضع حتى صار من أحسن بلاد الله تعالى وأكثرها عمارة، حتى لم ير بها خراب، فإنها معما هي عليه من سباخة أرضها وكثرة برودها متصلة العمارة متقاربة القرى، كثيرة القصور والبيوت، وقلما يقع النظر في رستاقها على أرض لا عمارة فيها، هذا مع كثرة الأشجار.
والغالب عليها التوت والخلاف لأجل دود القز، فإن لهم يداً باسطة في تربيتها، والخلاف لأجل العمارات، فإن عماراتهم من الاخصاص والخلاف لأن أرضها كثيرة النزور لا تحتمل البناء الثقيل؛ فإن الماء ينبع إذا حفرت ذراعين. وبها زحمة وغلبة شديدة من كثرة الناس، حتى لا فرق بين أسواقها ورستاقها على المارين.
وأما البرد فإنه شديد عندهم جداً حتى ان الإنسان إذا أراد إكرام غيره يقول: بت عندنا فإن عندنا ناراً طيبة ! وقد لطف الله تعالى بهم برخص الحطب، يكون حمل عجلة بدرهمين. والغريب إذا خرج من بيته أول النهار مكشوف الوجه يضرب البرد وجهه فيسقط أنفه ! وأما أهل المدينة فقد عرفوا ذلك فلا يخرجون إلا مستوري الوجه.
ومن عجائبها زراعة البطيخ، فإن المدينة تحيط بها رمال سائلة ثمانون فرسخاً في ثمانين فرسخاً، شبه الرمال التي دون ديار مصر، تنبت شوكاً طويل الإبر يقال له بالعجمية اشترغاز، وهو الشوك الذي يقع عليه الترنجبين بأرض خراسان، فإذا كان أوان زرع البطيخ يذهب أهل خوارزم إليها، ويحجر كل أحد قطعة من الأرض أي مقدار شاء لا ملك لأحد فيها، ويشق أصول هذا الشوك وقضبانه، ويدع فيها بزر البطيخ ويتركها؛ فإن البزر ينبت فيها بنداوة الشوك، ولا يحتاج أصحابها إلى السقي ولا إلى شيء من أعمال الزراعة. فإذا كان أوان البطيخ ذهبوا إليها ورأوا وجه الأرض ممتلئاً من البطيخ الذي لا يوجد مثله في شيء من البلاد حلاوة وطيباً، ويكون رخيصاً جداً لكثرته وقلة مؤونته، وقد يقدد ويحمل إلى البلاد للهدايا.
جنبذق
قرية من أعمال المراغة، بينها وبين قلعة روين دز فرسخ. بها بئر عجيبة يخرج منها حمام كثير، فنصب على رأس البئر شبكة يقع فيها من الحمام ما شاء الله، وهي بئر لا يدرى قعرها؛ حكى بعض فقهاء المراغة أنهم أرسلوا فيها رجلاً ليعرف حال الحمام، فنزل حتى زادت الحبال على خمسمائة ذراع، ثم خرج فأخبر أنه لم ير شيئاً، وأحس بهواء قوي، ورأى في آخرها ضوءاً وشيئاً كثيراً من الحيوانات الموتى.
جنزة
بلدة حصينة قديمة من بلاد أران من ثغور المسلمين لقربها من الكرج، وهي مدينة كثيرة الخيرات وافرة الغلات. أهلها أهل السنة والجماعة أهل الصلاح والخير والديانة، ولا يتركون أحداً يسكن بلدهم إذا لم يكن على مذهبهم واعتقادهم حتى لا يشوش عليهم مذهبهم واعتقادهم. والغالب عليهم ممارسة السلاح واستعمال آلات الحرب لكونهم في الثغر بقرب أرض الكفار.
بها نهر قردقاس جيئه من حاجين ولاية الكرج، يجري ستة أشهر وينقطع ستة أشهر، ومجيئه وقت معلوم وانقطاعه كذلك. ولأهلها يد باسطة في تربية دود القز وعمل الابريسم، وابريسم جنزة يفوق ما لغيرها من البلاد حسناً.
وفي نفس المدينة قناة ينزل إليها من طريقين: أحدهما موضع يعرف بباب المقبرة، والآخر بباب البردعة. يؤخذ الماء من باب المقبرة ويجذب به الابريسم، تزيد قيمته على الابريسم الذي يجذب بماء باب البردعة، وإن حملوا ماء باب المقبرة إلى باب البردعة لا يفيد شيئاً، وإن حملوا ماء باب البردعة إلى باب المقبرة يفيد ويخرج ابريسمه جيداً.