ضيعتان من ضياع قزوين على ثلاثة فراسخ منها. من عجائبهما أن الحديد ينطبع بآرشت ولا ينطبع بناشقين، ولو أوقدوا عليه ما أوقدوا، وقدر الصباغ يستوي بناشقين ولا يستوي بارشت، ولو أوقدوا تحتها ما أوقدوا، فلا يكون بآرشت صباغ ولا بناشين حداد أصلاً. وإذا تحول أحد الصانعين إلى الموضع الآخر لم ينجع عمله، وهذا شيء مشهور يعرفه أهل تلك البلاد.
آمل
مدينة بطبرستان مشهورة. حدثني الأمير أبو المؤيد حسام الدين بن النعمان أنه إذا دخلها شيء من الضائنة، وإن كانت من أسمن ما يكون، تهزل بها جداً بهزل لا يقال إلى هزال المعز. وذكر أنه أخبر بذلك فأمر أن يساق عدة رؤوس من الضائنة. قال: رأيتها بعد ستة أشهر عظاماً مغشية بجلود، وبقيت الألايا كالأذناب.
أبلة
كورة بالبصرة طيبة جداً، نضرة الأشجار متجاوبة الأطيار متدفقة الأنهار، مؤنقة الرياض والأزهار، لا تقع الشمس على كثير من أراضيها، ولا تبين القرى من خلال أشجارها. قالوا: جنان الدنيا أربع: أبلة البصرة، وغوطة دمشق، وصغد سمرقند، وشعب بوان.
والأبلة جانبان: شرقي وغربي، أما الشرقي فيعرف بشاطيء عثمان قديماً وهو عثمان بن ابان بن عثمان بن عفان، وهو العامر الآن بها الأشجار والأنهار والقرى والبساتين وهو على دجلة. وأنهارها مأخوذة من دجلة.
وبها أنواع الأشجار وأجناس الحبوب وأصناف الثمار، لا تكاد تبين قراها في وسطها من التفاف الأشجار.
وبها مشهد كان مسلحة لعمر بن الخطاب، وكانت بها شجرة سدر عظيمة كل غصن منها كنخلة ودورة ساقها سبعة أذرع، والناس يأخذون قشرها ويتبخرون به لدفع الحمى، وكان ينجع وذكروا انه قلما يخطيء. فلما ولي بابكين البصرة أشاروا إليه بقطعها لمصلحة، وكان قد ولي البصرة مدة طويلة وحسنت سيرتهم، وكان هو في نفسه رجلاً خيراً، فلما قطعها أنكر الناس فعزل عن قريب عن البصرة.
وأما الجانب الغربي من الابلة فخراب، غير ان فيه مشهداً يعرف بمشهد العشار وهو مشرف على دجلة، وهو موضع شريف قد اشتهر بين الناس ان الدعاء فيه مستجاب. وكان في قديم الزمان بهذا الجانب بنيان مشرف على دجلة وبساتين وقصور في وسطها، وكان الماء يجري في دورها وقصورها وقد امتحقت الآن آثارها، فسبحان من لا يعتريه التغير والزوال !
أبهر
مدينة بأرض الجبال كثيرة المياه والأشجار، بناها سابور ذو الأكتاف. قالوا: كانت عيوناً كلها فسدها سابور بالصوف والجلود، وبنى المدينة عليها، وهي في غاية النزاهة من طيب الهواء وكثرة المياه والبساتين، وخارجها أطيب من داخلها.
بها بساتين يقال لها بهاء الدين اباد، لم ير أكبر منها طولاً وعرضاً. وهي عامة ينزل فيها القفل والعساكر لا يمنع أحد منها. ولها قهندز يتحصن بها من خالف صاحب البلاد فبطلوها، والآن قالوا يأوي إليها السباع لا يجسر أحد أن يأتيها.
بها عين كل نصل يسقى من مائها يبقى حاداً قطاعاً جداً. والمدينة كلها مشتملة على طواحين تدور على الماء، وأكثر ثمارها العنب والجوز ونوع من الكمثرى مدورة في حجم النارنج، يقال لها العباسي، لذيذة جداً ما في البلاد شيء مثلها، وعندهم من ذلك كثير جداً، يحملونها إلى البلاد للبيع ويعلقونها حتى يأكلوها طول شتائهم يتفكهون بها.
وأهلها أحسن الناس صورة كلهم أهل السنة، لا يوجد فيهم إلا كذلك. وفيهم أدباء وفضلاء، ولهم اجتماع كلمة على دفع ظلم الولاة، لا يغلبم وال، أي وقت رأوا منه خلاف عادة قاموا كلهم قيام رجل واحد لدفعه.
ينسب إليها الشيخ أبو بكر الطاهري كان من الابدال، معاصر الشبلي. وله بأبهر رباط ينسب إليه، وفي رباطه سرداب يدخل فيه كل جمعة، ويخرج بأرض دمشق ويصلي الجمعة بجامع دمشق، وهذا حديث مشهور عندهم. وذكروا أن رجلاً تبعه ذات يوم فإذا هو بأرض لم يرها أبداً، والناس مجتمعون لصلاة الجمعة، فسأل بعضهم عن ذلك الموضع فضحك وقال: أنت في دمشق وتسأل عنها ! فقام طالع المدينة فلما عاد لم يجد الشيخ هناك، فجعل ينادي ويقول للناس ما جرى له، فلا يصدقه أحد إلا رجل صالح قال له: دع عنك هذا الجزع، وانتظره يوم الجمعة المستقبلة، فإذا حضر الشيخ ارجع معه ! فلما حضر الشيخ في الجمعة الأخرى تمسك بذيله فقال له: لا تذكر هذا لأحد وأنا آخذك معي ! ثم أخذه معه وعاد به إلى مكانه، وهذه حكاية مشهورة عنه بأبهر.