أفي كلّ يوم تحت ضبني شويعرٌ ... ضعيفٌ يقاويني قصيرٌ يطاول
لساني بنطقي صامتٌ عنه عادلٌ ... وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازل
وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وما التّيه طبّي فيهم غير أنّني ... بغيضٌ إليّ الجاهل المتعاقل
وفارق بغداد قاصداً عضد الدولة بفارس ومدحه بقصائده المذكورة في ديوانه، وربحت تجارته عند عضد الدولة، وبقي عنده مدة، ووصل إليه من مبراته أكثر من مائتي ألف درهم، فاستأذن في المسير ليقضي حوائجه فأذن له وأمر له بالخلع والصلات، فقرأ عليه قصيدته الكافية وكأنه نعى فيها نفسه ويقول:
ولو أني استطعت حفظت طرفي ... ولم أبصر به حتّى أراكا
وفي الأحباب مختصٌّ بوجدٍ ... وآخر يدّعي معه اشتراكا
إذا اجتمع الدّموع على خدودٍ ... تبيّن من بكى ممّن تباكى
وأنّى شئت يا طرقي فكوني ... أذاةً أو نجاةً أو هلاكا
وهذه الأبيات مما يتطير بها، وجعل قافية آخر شعره هلاكا فهلك. ولما ارتحل من شيراز بحسن حال ووفور مال، فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر كما كانت في أعمال عضد الدولة، فخرج عليه سرية من الأعراب فحاربهم حتى انكشفت الوقعة عن قتله، وقتل ابنه محسد، ونفر من غلمانه في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
اللاذقية
مدينة من سواحل بحر الشام عتيقة، سميت باسم بانيها رومية، وفيها أبنية قديمة، ولها مرقاة جيدة وقلعتان متصلتان على تل مشرف على ربضها، ملكها الفرنج فيما ملكوه من بلاد الساحل في حدود سنة خمسمائة. وللمسلمين بها جامع وقاض وخطيب، فإذا أذن المسلمون ضرب الفرنج بالناقوس غيظاً، قال المعري:
باللاّذقيّة فتنةٌ ... ما بين أحمد والمسيح
هذا يعالج دلبه ... والشّيخ من حنقٍ يصيح !
أراد بالدلب الناقوس وبالصياح الأذان.
قال ابن رطلين: رأيت باللاذقية أعجوبة، وذلك أن المحتسب يجمع الفواجر والغرباء المؤثرين للفجور في حلقته، وينادي على واحدة ويتزايدون، حتى إذا وقف سلمها إلى صاحبها مع ختم المطران. وهو يأخذها إلى الفنادق، فإذا وجد البطريق إنساناً لم يكن معه ختم المطران ألزمه جناية، فلما كانت سنة أربع وثمانين وخمسمائة استرجعها صلاح الدين يوسف، وهي إلى الآن في يد المسلمين.
اللجون
مدينة بالأردن. في وسطها صخرة كبيرة مدورة، وعلى الصخرة قبة مزار يتبركون بها.
حكي أن الخليل، عليه السلام، دخل هذه المدينة ومعه غنم له، وكانت المدينة قليلة الماء، فسألوه أن يرتحل لقلة الماء، فضرب بعصاه هذه الصخرة فخرج منها ماء كثير اتسع على أهل المدينة، حتى كانت قراهم ورساتيقهم تسقى من هذا الماء، والصخرة باقية إلى الآن.
ماردين
قلعة مشهورة على قلة جبل بالجزيرة، ليس على وجه الأرض قلعة أحسن منها ولا أحكم ولا أعظم، وهي مشرفة على دنيسر ودارا ونصيبين، وقدامها ربض عظيم فيه أسواق وفنادق ومدارس وربط. وضعها وضع عجيب ليس في شيء من البلدان مثلها، وذلك أن دورهم كالدرج كل دار فوق أخرى، وكل درب منها مشرف على ما تحته، وعندهم عيون قليلة، جل شربهم من الصهاريج المعدة في دورهم. وقال بعض الظرفاء:
في ماردين، حماها الله، لي سكنٌ ... لولا الضّرورة ما فارقتها نفسا
لأهلها ألسنٌ لان الحديد لها ... وقلبهم جبليٌّ قد قسا وعسا
ماسبدان
مدينة مشهورة بقرب السيروان، كثيرة الشجر كثيرة الحمات والكباريت والزاجات والبوارق والاملاح. بها عين عجيبة، من شرب منها قذف اخلاطاً كثيرة، لكنه يضر بأعصاب الرأس، وإن احتقن بمائها أسهل إسهالاً عظيماً.
مجانة
بلدة بإفريقية تسمى قلعة بسر لأن بسر بن أرطاة فتحها. أرضها أرض طيبة ينبت بها زعفران كثير، بها معادن الفضة والحديد والمرتك والرصاص والكحل، وفي جنوبيها جبل تقطع منه أحجار الطواحين وتحمل إلى سائر بلاد العرب.
محجة
من قرى حوران. بها حجر يزوره الناس، وزعموا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، جلس عليه.
مدين