قوله: ولما رأيت الأمر عرش هوية، مثلٌ. والعرش: الخشب الذي يطوى به أعلى البئر، قال أبو زيد: البئر المعروشة: التي طويت قدر قامة من أسفلها بالحجارة ثم طوى سائرها بالخشب وحده وذلك الخشب هو العرش. قال الأصعمي: المعروشة: المطوية بالخشب، والساقي إذا قام على العرش فهو على خطرٍ إن زلق وقع في البئر. والهوية: البئر، يقول: لما رأيت الأمر شديداً ركبت شمّر، وشمر اسم ناقته.
" حديث المهلب بن أبي صفرة مع رجل من الخوارج كان مختفياً في عسكره يريد اغتياله " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال حدّثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد المهلبي قال: قيل للمهلب: إن فلاناً عينٌ للخوارج في عسكرك، وإنه يتكفن بالسلاح إذا دعوا للحرب ليغتالك ويلحق بالخوارج؛ فبعث إليه، فأتى به فقال له: قد تقرر عندنا كيدك لنا، ولم نقدم من أمرك على ما عزمنا عليه إلا بعد ما لم يدع اليقين للشك معترضاً، فاختر أي قتلة تحب أن أقتلك؟ فقال: سيفٌ مجهز أو عطفة كريم محتقرٍ لضغن ذوي الضغائن، قال: فإنها عطفة كريم محتقر للذنوب، فخلى سبيله، فكان بعد ذلك من أوثق أصحابه عنده.
وحدّثنا أيضاً قال حدّثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد قال: أوفد المهلب كعب بن معدان الأشقري حين هزم عبد ربه الأصغر وأحلى قطرياً حتى أخرجه من كرمان نحو أرض خرسان، فقال له الحجاج: كيف كانت محاربة المهلب للقوم؟ قال: كان إذا وجد الفرصة سار كما يسور الليث، وإذا دهمته الطحمة راغ كما يروغ الثعلب، وإذا ماده القوم صبر صبر الدهر، قال: وكيف كان فيكم؟ قال: كان لنا منه إشفاق الوالد الحدب، وله منا طاعة الولد البر، قال: فكيف أفلتكم قطريٌّ؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه به، والأجل أحصن جنّة وأنفذ عدّة، قال: فكيف اتبعتم عبد ربه وتركتموه؟ قال: آثرنا الحد على الفل، وكانت سلامة الجند أحب إلينا من شجب العدو، فقال له الحجاج: أكنت أعددت هذا الجواب قبل لقائي؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله.
وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال حدّثنا أبو حاتم قال: أتيت أبا عبيدة ومعي شعر عروة بن الورد فقال لي: ما معك؟ فقلت: شعر عروة، فقال: فارغٌ حمل شعر فقير ليقرأه على فقير، فقلت له: ما معي غيره، فأنشدني أنت ما شئت، فأنشدني:
يا ربّ ظلّ عقابٍ قد وقيت بها ... مهري من الشمس والأبطال تجتلد
ورب يوم حمى أرعيت عقوته ... خيلي اقتصاراً وأطراف القناقصد
ويوم لهوٍ لأهل الخفض ظل به ... لهوى اصطلاء الوغى وناره تقد
مشهراً موقفي والحرب كاشفةٌ ... عنها القناع وبحر الموت يطرد
ورب هاجرةٍ تغلي مراجلها ... مخرتها بمطايا غارةٍ تخد
تجتاب أودية الأفزاع آمنةً ... كأنها أسدٌ تقتادها أسد
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمداً ... على الطعان وقصر العاجز الكمد
ولم أقل لم أساق الموت شاربه ... في كأسه والمنايا شرعٌ ورد
ثم قال: هذا الشعر! لا ما تعللون به أنفسكم من أشعار المخانيث! قال أبو بكر: والشعر لقطري ابن الفجاءة.
" حديث المفضل الضبي وقد دخل على المهدي فاستنشده " وحدّثنا قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل الضبي قال: دخلت على المهدي فقال لي قبل أن أجلس: أنشدني أربعة أبيات لا تزد عليهن - وعنده عبد الله بن مالك الخزاعي - فأنشدته:
وأشعث قد قدّ الشفار قميصه ... يجر شواءً بالعصا غير منضج
دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريمٌ من الفتيان غير مزلج
فتىً يملأ الشيزى ويروي سنانه ... ويضرب في رأس الكمي المدجج
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحي بالمتولج
فقال المهدي: هو هذا - وأشار إلى عبد الله بن مالك - فلما انصرفت بعث إليّ بألف دينار، وبعث إلي عبد الله بأربعة آلاف درهم.
وقرأت على أبي بكر لعبد الرحمن بن زيد:
يؤسى عن زيادة كلّ حيٍّ ... خلي ما تأوبه الهموم
فلو كنت القتيل وكان حياً ... لطالب لا ألف ولا سئوم
ولا هيّابةٌ بالليل نكسٌ ... ولا ضرعٌ إذا أمسى نؤوم