لولا الإمام ولولا حق طاعته ... لقد شربت دماً أحلى من العسل
وقرأت على أبي بكر بن دريد للفند الزماني واسمه شهل بن شيبان:
صفحنا عن بني ذهلٍ ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجع ... ن قوماً كالذي كانوا
فلما صرّح الشرّ ... فأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا ... ن جنّاهم كما دانوا
مشينا مشية الليث ... غدا والليث غضبان
قال أبو علي: يروى عدا وغدا بالعين والغين، ويروى شددنا شدة الليث فمن روى شددنا فالأجود عدا بالعين غير المعجمة، ومن روى مشينا. فالأجود غدا بالغين المعجمة
بضربٍ فيه توهينٌ ... وتخضيعٌ وإقران
وأنشدنا أبو بكر عن أبيه عن أبي رستم مستملي يعقوب هذا البيت:
بضرب فيه تأييمٌ ... وتفجيعٌ وإرنان
وطعنٍ كفم الزق ... غدا والزق ملآن
وفي الشر نجاةٌ حي ... ن لا ينجيك إحسان
وبعض الحلم عند الجه ... ل للذلة إذعان
وقرأت عليه لأبي الغول الطهوي وأنشدنا أبو عبد الله نفطويه إلى آخر بيت فيه:
فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدّقوا فيهم ظنوني
فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون
ولا يجزون من حسنٍ بسيءٍ ... ولا يجزون من غلظٍ بلين
ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حيناً بعد حين
هم منعوا حمى الوقبى بضرب ... يؤلّف بين أشتات المنون
فنكّب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون
ولا يرعون أكناف الهويني ... إذا حلّوا ولا روض الهدون
وحدثني أبو بكر رحمه الله قال أخبرنا عبد الرحمن عن عمه قال: رأيت رجلاً بالجفر من بني العنبر بن لوثة بل هوج ظاهر أحفظ خلق الله للشعر، وكان إذا قال له قائل: أنشدنا، تمر له وشتمه، وإذا أنشد وحدّث اندفق منه ثبج بحر مع فصاحة وحسن إنشاد، فأنشدني يوماً من غير أن أستنشده:
فدت نفسي وما ملكت يميني الأبيات كلها
وحدّثنا أبو بكر عن أبي حاتم قال: لم يرث أحدٌ قتيلاً قومه إلا قيس بن زهير، فإنه رثى حذيفة بن بدر وبنو عبس تولت قتله:
ألم تر أن خير الناس أضحى ... علىجفر الهباءة ما يريم
ولولا بغيه مازلت أبكى ... عليه الدهر ما بدت النجوم
ولكنّ الفتى حمل بن بدرٍ ... بغى والبغي مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
" مطلب حديث الأصمعي مع امرأة ثكلى من بني عامر نزل بها " وحدّثنا أبو بكر قال حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: نزلت على امرأة من بني عامر بن صعصعة وقد مات ابنٌ لها، وهي من القلق على مثل الرضفة، فقامت تعالج لي طعاماً، فقلت لها: يا هذه، إنك لفي شغل عن هذا، فقالت: والله لا تجوز بيتي إلا مقرياً، ولكن أنشدني أبياتاً أسلوبهنّ، فإني أراك لوذعياً، فأنشدتها أبيات نويرة بن حصين المازني يرثي ابنه:
إني أرى للشامتين تجلدي ... وإني كالطاوي الجناح على كسر
يرى واقعاً لم يدر ما تحت ريشه ... وإن ناء لم يسطع نهوضاً إلى وكر
فلولا سرور الشامتين بكبوتي ... لما رقأت عيناي من واكفٍ يجري
على من كفاني والعشيرة كلها ... نوائب ريب الدهر في عثرة الدهر
ومن كانت الجارات تأمن ليله ... إذا خفن من باتت غوائله تسري
بصير بما فيه لهنّ حصانةٌ ... غبيٌّ عن المحجوب بالباب والستر
يكفّ أذاه بعد ما بذل عرفه ... ويحلم حلماً لا يذم ولا يزري
ويأخذ ممن رام بالهصر هيضه ... إذا ما أراد الأخذ بالهصر والقسر
ولا ينظر الأيسار إن نال يسره ... ولا ينثني عن فعل خير لدى العسر
ولا يتأرّى للعواقب إن رأى ... له فرصةً يشفى بها وحر الصدر