لَيْتَ الغُرَابَ رَمَى حَمَاطَةَ قَلْبِه ... عمْروٌ بأَسْهُمَهِ الَّتي لم تُلْغَب
وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " هو قائد الشعراء إلى النار " وفي خبرٍ آخر: " معه لواء الشعراء إلى النار " .
قال ابن الكلبي: أقبل قومٌ من اليمن يريدون النبي صلى الله عليه وسلم فضلوا ووقعوا على غير ماءٍ، فمكثوا ثلاثاً لا يقدرون على الماء، فجعل الرجل منهم يستذرى بفىء السمر والطلح، فبيناهم كذلك أقبل راكبٌ على بعير، فأنشد بعض القوم بيتين من شعر امرىء القيس، لما رأت البيتين فقال الراكب: من يقول هذا الشعر؟ قال: امرؤ القيس، قال: والله ما كذب، هذا ضارجٌ عندكم، وأشار لهم إليه، فأتوه فإذا ماء غدقٌ، وإذا عليه العرمض والظل يفيء عليه، فشربوا منه وارتووا، حتى بلغوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، وقالوا: أحياناً بيتان من شعر امرىء القيس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ذاك رجلٌ مذكور في الدنيا شريفٌ فيها، منسى في الآخرة خاملٌ فيها، يجيء يوم القيمة معه لواء الشعراء إلى النار " .
وذكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: سابق الشعراء خسف لهم عين الشعر.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يقول من فضله: إنه أول من فتح الشعر واستوقف، وبكى في الدمن، ووصف ما فيها، ثم قال: دع ذا رغبةً عن المنسبة، فتبعوا أثره. وهو أول من شبه الخيل بالعصا واللقوة والسباع والظباء والطير، فتبعه الشعراء على تشبيهها بهذه الأوصاف.
قال ابن الكلبي: أول من بكى في الديار امرؤ القيس بن حارثة بن الحمام بن معاوية، وإياه عنى امرؤ القيس بقوله:
يا صاحِبَيَّ قِفَا النَّوَاعِجَ ساعَةً ... نَبْكى الدّيَارَ كما بَكَى ابنُ حُمَامِ
وقال أبو عبيدة: هو ابن خذام وأنشد:
عُوجَا على الطَّلَل المُحِيلِ لَعَلَّنَا ... نَبْكِي الدّيارَ كما بَكَى ابنُ خِذَامِ
قال: وهو القائل:
كَأَنِي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا ... لَدَى سَمُرَاتِ الدّارِ ناقِفُ حَنْظَلل
أراد أنه بكى في الدار عند تحملهم، فكأنه ناقف حنظلٍ وناقف الحنظلة ينقفها بظفره، فإن صوتت علم أنها مدركةٌ فاجتناها، فعينه تدمع لحدة الحنظل وشدة رائحته. كما تدمع عيناً من يدوف الخردل، فشبه نفسه حين بكى بناقف الحنظل.
فمما أخذه الشعراء من شعر امرىء القيس: قال امرؤ القيس:
وُقُوفاً بها صَحْبِي عَلَىَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أَسْى وتَجَمَّلِ
أخذه طرفة فقال:
وُقُوفاً بها صَحْبِي علىَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أَسًى وتَجَلَّدِ
وقال امرؤ القيس يصف فرساً:
ويَخْطُو على صُمٍّ صِلاَبٍ كَأَنَّها ... حِجَارَةُ غَيْلِ وارِسَاتٌ بطُحْلُبِ
أخذه النابغة الجعدي فقال:
كأَنَّ حَوَامِيَهُ مُدْبِراً ... خُضِبْنَ وإِنْ كان لم يُخْضَبِ
حِجَارَةُ غَيْل برَضْرَاضَةٍ ... كُسِينَ طِلاَءً مِنَ الطُّحْلُبِ
وقال امرؤ القيس يصف الناقة:
كَأَنَّ الحَصَى مِنْ خَلْفِها وأَمامِها ... إِذا نَجَلَتْهُ رِجْلُها خَذْفُ أَعْسَر
أخذ الشماخ فقال:
لها مِنْسَمٌ مِثْلُ المَحَارَةِ خِفَةً ... كأَنَّ الحَصَى من خَلْفِهِ حَذْفُ أَعْسَرَا
وقال امرؤ القيس يصف فرساً:
كُمَيْتٍ يَزِلُّ الِلْبدُ عَنْ حالِ مَتْنِهِ ... كما زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بالمُتَنَزَّلِ
أخذه أوس بن حجرٍ فقال:
يزِلُّ قُتُودُ الرَّحْلِ عن دَأَيَاتِهَا ... كما زَلَّ عن عَظْم الشَّجِيحِ المَحَارِفُ
وقال امرؤ القيس يصف فرساً:
سَلِيمِ الشَّظَا عَبْلِ الشَّوَى شَنِجِ النَّسَا ... له حَجَباتٌ مُشْرِفَاتٌ على الفالِ
فأخذه كعب بن زهير، فقال:
سَلِيم الشظا عَبل الشَّوَى شَنِج النَّسَا ... كأَنَّ مَكانَ الرِّدْف من ظَهْرِه قَصْرُ
وأخذ النجاشي فقال:
أَمِينُ الشظا عارِي الشَوَى شَنِجُ النَّسَا ... أَقَبُّ الحَشَا مُسْتَذْرِعُ النَّدَفَانِ
وقال امرؤ القيس: