قال محمد بن سلام: حدثني راويةٌ للفرزدق أنه لم ير رجلاً كان أروى لأحاديث امرىء القيس وأشعاره من الفرزدق، هو وأبو شفقل، لأن امرأ القيس كان صحب عمه شرحبيل قبل الكلاب، حتى قتل شرحبيل بن الحرث، وكان قاتله أخاه معدى كرب بن الحرث، وكان شرحبيل بن الحرث مسترضعاً في بني دارمٍ رهط الفرزدق، وكان امرؤ القيس رأى من أبيه جفوةٌ، فلحق بعمه، فأقام في بني دارمٍ حيناً، قال: قال الفرزدق: أصابنا بالبصرة مطرٌ جودٌ، فلما أصبحت ركبت بغلة لي وصرت إلى المربد، فإذا آثار دواب قد خرجت إلى ناحية البرية، فظننت أنهم قومٌ قد خرجوا إلى النزهة، وهم خلقاء أن يكون معهم سفرة. فاتبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغالٍ عليها رحائل موقوفة على غدير، فأسرعت إلى الغدير فإذا نسوةٌ مستنقعاتٌ في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط ولا يوم دارة جلجلٍ! وانصرفت مستحيياً، فنادينني: يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شيءٍ، فانصرفت إليهن، فقعدن إلى حلوقهن في الماء، ثم قلن: بالله لما أخبرتنا ما كان حديث يوم دارة جلجل؟ قال: حدثني جدي، وأنا يومئذ غلامٌ حافظٌ: أن امرأ القيس كان عاشقاً لابنة عم له يقال لها عنيزة، وأنه طلبها زماناً فلم يصل إليها، حتى كاي يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل. وذلك أن الحي احتملوا، فتقدم الرجال وتخلف النساء والخدم والثقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد ما سار مع رجالة قومه غلوةً فكمن في غيابةٍ من الأرض حتى مر به النساء وفيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فاغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنا بعض الكلال، فنزلن في الغدير ونحين العبيد، ثم تجردن فوقعن فيه، فأتاهن امرؤ القيس وهن غوافل، فأخذ ثيابهن فجمعها وقعد عليها، وقال: والله لا أعطى جاريةً منكن ثوبها ولو ظلت في الغدير يومها حتى يخرج متجردةً فتأخذ ثوبها! فأبين ذلك عليه، حتى تعالى النهار، وخشين أن يقصرن عن المنزل الذي يردنه، فخرجن جميعاً غير غنيزة، فناشدته الله أن يطرح إليها ثوبها، فأبى، فخرجت فنظر إليها مقبلةً ومدبرةً، وأقبلن عليه فقلن له: إنك قد عذبتنا وحبستنا وأجعتنا! قال: فإن نحرت لكن ناقتي تأكلن منها؟ قلن: نعم فخرط سيفه فعرقبها ونحرها ثم كشطها، وجمع الخدم حطباً كثيراً فأججن ناراً عظيمة، فجعل يقطع لهن من أطايبها ويلقيه على الجمر، ويأكلن ويأكل معهن، ويشرب من فضلة خمرٍ كانت معه ويغنيهن، وينبذ إلى العبيد من الكباب، فلما أرادوا الرحيل قالت إحداهن: أنا أحمل طنفسته، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله وأنساعه، فتقسمن متاع راحلته وزاده، وبقيت عنيزة لم يحملها شيئاً، فقال لها: يا ابنة الكرام! لا بد أن تحمليني معك فإني لا أطيق المشي، فحملته على غارب بعيرها، وكان يجنح إليه فيدخل رأسه في خدرها فيقبلها، فإذا امتنعت مال حدجها، فتقول: عقرت بعيري فانزل، ففي ذلك يقول:
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتي ... فَيَاعَجَباً مِنْ رَحْلِها المُتَحَمَّلِ
يظَلُّ العَذَارَى يَرْتَمِينَ بلَحْمِها ... وشَحْمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّل
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ ... فقالَتْ لَكَ الوَيْلاتْ إِنَّكَ مُرْجِلِى
تَقُولُ وقَدْ مال الغَبيطُ بنَا مَعاً ... عَقَرتَ بعيري يا امْرَأَ القيْسِ فانْزِل
فقُلْتُ لها سِيرِي وأَرْخِى زِمَامَهُ ... ولا تُبْعِدِينا من جَنَاكِ المُعَلَّلِ
وكان امرؤ القيس في زمان أنوشروان ملك العجم، لأني وجدت الباعث في طلب سلاحه الحرث بن أبي شمرٍ الغساني، وهو الحرث الأكبر، والحرث هو قاتل المنذر بن امرىء القيس الذي نصبه أنو شروان بالحيرة. ووجدت بين أول ولاية أنو شروان وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنةً، كأنه ولد لثلاث سنين خلت من ولاية هرمز بن كسرى.
ومما يشهد لهذا أن عمرو بن المسبح الطائي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في وفود العرب، وهو ابن مائة وخمسين سنةً، وأسلم، وعمرو يومئذٍ أرمى العرب، وهو الذي ذكره امرؤ القيس فقال:
رُبَّ رامٍ من بَنِي ثُعَلٍ ... مُخْرِجٍ كَفَّيْهِ من سُتَرِهْ
وله يقول الآخر:
نَعَب الغَرَابُ ولَيْتَهُ لم يَنْعَبِ ... بالبَيْنِ مِنْ سَلْمَى وأُمِّ الحَوْشَب