فما تَرَكَا من رُقَيَّةٍ يَعْلَمَانِها ... ولا سَلْوَةٍ إِلاَّ بها سَقَيَانِي
فقالا شَفَاك اللهُ، واللهِ ما لَنَا ... بما حُمِّلَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يَدَان
وفيها يقول:
أَلا يا غُرَابَيْ دِمْنَةِ الدارِ خَبِّرَا ... أَبالَبَيْنِ من عَفْرَاءَ تَنْتَحِبَان؟
فإِنْ كان حقَّا ما تقُولانِ فانْهَضَا ... بلَحْمِي إِلي وَكْرَيْكُمَا فكُلاَنِي
وعراف اليمامة هو رياح أبو كلحبة مولى بني الأعرج بن كعب بن سعد بن زيد مناه بن تميم، واسم الأعرج الحرث.
ولعراف اليمامة عقب باليمامة كثير.
وقال عروة أيضاً:
فقُلْتُ لعَرَّافِ اليمَامَةِ دَاونِي ... فإِنَّك إِن داوَيْتَني لطبِيبُ
فما بِيَ من سقْمٍ ولا طَيْفُ جِنَّةٍ ... ولكِنَّ عَبْدَ الأَعْرَجِيِّ كَذُوبُ
فرد إلى أهله، فمرضوه دهراً، فقال لهن يوماً أعلمتن أني لو نظرت إلى عفراء يوماً ذهب وجعي؟ فخرجوا به حتى نزلوا البلقاء مستخفين، فكان لا يزال يلم بعفراء وينظر إليها، وكانت عند رجلٍ كثير المال، فبينا عروة يوماً بسوق البلقاء لقيه رجل يعرفه من بني عذرة، فسأله متى قدم؟ فأخبره، فقال لقد عهدتك مريضاً وأراك قد صححت، ثم سار إلى زوجها، فقال متى قدم عليكم هذا الكلب الذي قد فضحكم في الناس؟ فقال زوج عفراء أي كلبٍ؟ قال عروة، قال أوقد قدم؟ قال نعم، قال أنت أولى بأن تكون كلباً منه! ما علمت بمقدمه، ولو كنت علمت لضممته إلى منزلي فلما أصبح غدا يستدل عليهم حتى جاءهم، فقال لهم قدمتم ولم تروا أن تعلموني فيكون منزلكم عندي، ثم حلف لا يكون نزولهم إلا عليه، قالوا نعم، نتحول إليك الليلة أو غداً، فلما ولّى قال عروة لأهله قد كان من الأمر ما ترون، فالحقن بقومكن، فإنه لا بأس علي، فقربوا ظهرهم وارتحلوا، فنكس، فلم يزل مدنفاً حتى نزل بوادي القرى.
حدثني ابن مرزوقٍ عن ابن الكلبي عن أبي السائب المخزومي عن هشام بن عروة عن أبيه عن النعمان بن بشير قال بعثني عثمان أو معاوية مصدقاً لبني عذرة، فصدقتهم. ثم أقبلت راجعاً، فإذا أنا ببيتٍ حريدٍ ليس قربه أحدٌ، وإذا رجل بفنائه مستلقٍ على قفاه، لم يبق منه إلا جلد وعظم، فلما سمع وجسى ترنم بصوتٍ حزينٍ:
جعلتُ لعرَّاف اليَمَامَةِ حُكْمَه
الأبيات كلها، قال وإذا أمثال التماثيل حوله، أخواته وأمه وخالته، فقلت له أنت عروة؟ قال نعم، قلت صاحب عفراء؟ قال نعم، ثم استوى قاعداً، وقال وأنا الذي أقول:
وعَيْنانِ ما أَوْفَيتُ نَشْزاً فَتَنْظُرا ... بمَأْقَيْهمَا إِلاَّ هما تَكفَانِ
كأَنَّ قَطاةً عُلِّقَتْ بجَناحِها ... عَلى كَبدِي من شِدَّة الخَفَقَانِ
ثم التفت إلى أخواته فقال:
مَنْ كان من أَخَوَاتي باكِياً أَبَداً ... فاليَوْمَ إِنِّي أَراني اليوْمَ مقْبُوضَا
يسْمِعْنَنِيه فإِنِّي غَيْرُ سامِعِه ... إِذا عَلَوْتُ رِقابَ القوْمِ مَعْروضَا
سمعه بعض المحدثين فأخذه فقال:
مَنْ كان يَبْكي لِمَا بِي ... مِنْ طُولِ وَجْدٍ أَسِيسِ
فالآنَ قَبْلَ وَفاتِي ... لا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسِ
ثم رجع الحديث، قال فبرزن والله يضربن وجوههن ويشققن جيوبهن، ثم لم أبرح حتى مات، فهيأت من أمره وصليت عليه ودفنته.
هذا معنى الحديث.
ولما بلغ عفراء موته قالت لزوجها يا هناه، قد كان من أمر هذا الرجل ما قد علمت، وما كان والله إلا على الحسن الجميل، وقد بلغني أنه قد مات في أرض غربةٍ، فإن رأيت أن تأذن لي فأخرج في نسوةٍ من قومي فنندبه ونبكي عليه؟ فأذن لها فخرجت وهي تقول:
أَلا أَيُّهَا الرّكْب المُخِبُّونَ وَيْحَكُمْ ... بحَقٍّ نَعَيْتُمْ عُرْوَةَ بنَ حِزَامِ؟
فلا نَفَعَ الفِتْيَانَ بَعْدَكَ لَذَّةٌ ... ولا رجَعُوا من غَيْبَةٍ بسَلامِ
وقُلْ لِلْحَبَالى لا يرجِّينَ غائِبَا ... ولا فَرِحَتْ من بَعْدِهِ بغُلامِ
فما زالت تردد هذه الأبيات حتى ماتت. فبلغ الخبر معاوية، فقال لو علمت بحال هذين الشريفين لجمعت بينهما.