فما نام من راعٍ ولا ارْتَدَّ سامِرٌ ... منَ اللَّيْل حَتَّى جاوَزَتْ بي يَلَمْلَمَا
وما ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى تَبَيَّنَتْ ... بعُلْيَبَ نَخْلاً مُشْرِفاً ومُخَيَّمَا
وكان يشبب بامرأة من قومه يقال لها عمرة، وكان لها عاشقاً، وفيها يقول:
تَطَاوَلَ هذا اللَّيْل ما يَتَبَلَّجُ ... وأَعيَتْ غَواشِي الهَمِّ ما تَتَفَرَّجُ
وبتُّ مَبيتاً ما أَنَام كأَنَّما ... خِلالَ ضُلُوعي جَمْرَةٌ تَتَوَهَّجُ
فَطَوْراً أُمَنَّي النَّفْسَ من عَمْرةَ المُنَىوطَوْراً إِذا ما لَجَّ بي الحزْنُ أَنْشِجُ
وقد قَطَع الواشُونَ ما كان بَيْنَنا ... ونَحْن إِلى أَن يُوصَل الحَبْلُ أَحْوَج
رَأَوْا عَوْرَةً فاستَقْبَلُوها بأَلْبِهِمْ ... فَرَاحوا على مالا نُحِبُّ وأَدْلَجُوا
وكانوا أُناساً كُنْتُ آمَنُ غَيْبَهم ... فلم يَنْهَهمْ حِلْمٌ ولم يَتَحَرَّجوا
فلَيْتَ كَوَانِيناً مِنَ أهلي وأَهْلِها ... بأَجْمَعِهمْ في بَحْرِ دِجْلَةَ لَجَّجُوا
فَهُمْ مَنَعُونا ما نُحِبُّ، وأَوْقَدُوا ... عَلَيْنا، وشَبُّوا نارَ صُرْمٍ تَأَجَّجُ
ولَوْ تَرَكُونا، لا هَدَى اللهُ أَمْرَهُمْولم يُلْحِمُوا قَوْلاً مِنَ الشَّرّ يُنْسَجُ
لأَوْشَكَ صَرْفُ الدَّهْرِ تَفْرِيقَ بَيْنِناولا يَسْتَقِيمُ الدَّهْرُ والدَّهْرُ أَعْوَجُ
عَسَتْ كُرْبَةٌ أَمْسَيتِ فيها مُقِيمَةٌ ... يَكُونُ لنا منها رَخاءٌ ومَخْرَجُ
فيُكْبَتَ أَعْدَاءٌ ويَجْذَلَ آلِفٌ ... له كَبِدٌ من لَوْعَةِ الحُبِّ تَلْعَجُ
وإِنّي لَمَحْزُونٌ عَشِيَّة جِئْتُها ... وكُنْتُ إِذا ما زُرْتُها لا أُعَرِّجُ
فلمّا الْتَقَيْنا لَجْلَجَتْ في حَدِيثِها ... ومن آيَةِ الصُّرْمِ الحَدِيثُ المُلَجْلَجُ
ابن الرقاع
هو عدي ابن الرقاع من عامة حيٍ من قضاعة، وكان ينزل الشام. وكانت له بنت تقول الشعر، وأتاه ناس من الشعراء ليماتنوه، وكان غائباً عن منزله، فسمعت بنته، وهي صغيرة لم تدرك، ذرواً من وعيدهم، فخرجت إليهم وهي تقول:
تَجَمَّعْتُمُ من كُلِّ أَوْبٍ وبَلْدَةٍ ... عَلى واحِدٍ، لا زلْتُمُ قِرْنَ واحِدِ!!
فانصرفوا عنه ولم يهاجوه.
وكان شاعراً محسناً. وهو أحسن من وصف ظبيةً وصفاً، فقال:
كالظَّبْيَةِ البكْرِ الفَرِياةِ تَرْتَعى ... من أَرْضِهَا قَفَرَاتِها وعِهَادَها
خَضَبَتْ لها عُقَدُ البِرَاقِ جَبِينَها ... من عَرْكِها عَلَجَانَها وعرَادَها
كالزَّيْنِ في وَجْهِ العَروِس تَبَدَّلَتْ ... بَعْدَ الحَيَاءِ فلاعَبَتْ أَرْآدَها
تُزْجِى أَغَنَّ كأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ ... قَلَمٌ أَصابَ منَ الدَّوَاةِ مِدَادَها
وفيه يقول يذكر شعره وعلمه:
وقَصِيدَةٍ قد بِتُّ أَجْمَعُ بَيْنَها ... حَتَّى أُقَوِّمَ مَيْلَها وسِنَادَها
نَظَرَ المُثَقِّفِ في كُعُوبِ قَناتِهِ ... حَتَّى يُقِيمَ ثِقافُه مُنْآدَها
أَوَ ما تَرَى شَيْباً تَفَشَّغَ لِمَّتِي ... حَتَّى عَلا وَضَحٌ يَلُوحُ سَوَادَها
فلَقَدْ تَبِيتُ يَدُ الفَتَاةِ وسَادَةً ... لِيَ جاعِلاً إِحْدَى يَدَيَّ وِسَادَها
ولقَدْ أَصَبْتُ منَ المَعِيشَةِ لَذَّةً ... ولقِيتُ مِنْ شَظَفِ الخُطُوبِ شِدَادَها
وعَمِرْتُ حَتَّى لَسْتُ أَسْأَلُ عالِماً ... عَنْ حَرْفِ واحِدَةِ لِكَيْ أَزْدَادَها
صلَّى المَلِيكُ على امْرئِ وَدَّعْتُهُ ... وأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وزادَها
ومنه أخذ الكتاب " وأتم نعمته عليك وزاد فيها عندك " .
وهو القائل:
لَوْلا الحَيَاءُ وأَنَّ رَأسِيَ قد عَثَا ... فيه المَشِيبُ لَزُرْتُ أُمَّ القاسمِ
وكأَنَّها وَسْطَ النَّسَاءِ أَعارَها ... عَيْنَيْهِ أَحْوَرُ من جَآذِر جاسِمِ