وكان أبو المجنون ورهطه أتوا أبا ليلى وأهلها، وسألوهم بالرحم، وعطفوا عليهم، وأخبروهم بما ابتلى به، فأبى أبو ليلى، وحلف ألا يزوجها إياه أبداً، فقال الناس لأبي المجنون لو خرجت به إلى مكة فعاذ بالبيت ودعا الله رجوعاً أن ينساها أو يعافيه الله مما ابتلى به، فحج، فبينما هو يمشي بمنىً وأبوه معه قد أخذ بيده يريد الجمار، نادى منادٍ من تلك الخيام يا ليلى! فخر مغشياً عليه، واجتمع عليه الناس وضجوا، ونضحوا عليه من الماء، يبكى عند رأسه، ثم أفاق وهو مصفر لونه متغيرٌ حاله، فأنشأ يقول:
وداعٍ دَعَا إِذا نحنُ بالخَيْفِ من مِنىً ... فهَيَّجَ أَحْزَانَ الفُؤَادِ وما يَدْرِي
دَعَا باسْمِ لَيْلى غَيْرِها فكأَنَّما ... أَطارَ بلَيْلى طائِراً كان في صَدْرِي
حكى الهيثم بن عدي عن أبي مسكين قال خرج منا فتىً حتى إذا كان ببئر ميمون، إذا جماعة على جبل من تلك الجبال،وإذا بينهم فتىً قد تعلقوا به، مديد القامة طوال أبيض، جعد الشعر أعين، أحسن من رأيت من الرجال، وإذا هو مصفر مهزولٌ شاحب اللون، قال فسألت عنه؟ فقالوا هذا قيس الذي يقال له المجنون، خرج به أبوه الملوح حين ابتلى بما ابتلى به إلى الحرم مستجيراً بالبيت، لعل الله أن يفرج عنه، ومن رأيه أن يستجير بقبر النبي " صلى الله عليه وسلم " ، فقلت ما يصنع هاهنا وما لكم تمسكونه؟ قالوا لما يصنع بنفسه،فإنه يصنع بها صنيعاً يرحمه منه عدوه، ويقول أخرجوني أتنسم صبا نجدٍ، فنخرجه إلى ها هنا، فيستقبل بلاد نجد عسى أن تهب له الصبا، ونكره أن نخلي سبيله فيرمي بنفسه من الجبل، فلو شئت دنوت منه فأعلمته أنك قدمت من نجدٍ فيسألك عنها وعن بلاده فتخبره؛ فقلت أفعل، فقالوا يا أبا المهدي! هذا رجل قدم من بلاد نجد،؟فتنفس تنفساً ظننت أن ؟؟ ؟؟كبده قد انصدعت، ثم جعل يسألني عن وادٍ وادٍ وموضعٍ موضعٍ، وأنا أصف ذلك له وهو يبكي أحر بكاءٍ وأوجعه للقلب، ثم قال:
أَلا ليْتَ شِعْري عن عُوَارِضَتَيْ قَنىً ... لِطُولِ اللَّيالي هَلْ تَغَيَّرَتَا بَعْدِي
ومن عُلَوِيَّاتِ الرِّياحِ إِذا جَرَتْ ... برِيحِ الخُزَامى هَلْ تَهُبُّ على نَجْدِ
وعن أُقْحُوَانِ الرَّمْلِ ما هُوَ فاعِلٌ ... إِذا هُوَ أَسْرَى لَيْلَةً بثَرىً جَعْدِ
وهَلْ تَنْفُضَنَّ الرِّيحُ أَفْنَانَ لِمَّتيعلى لاحِقِ الرِّجْلَيْنِ مُنْدَلِق الوَخْدِ
وهَلْ أَسْمَعَنَّ الدَّهْرَ أَصْوَاتَ هَجْمةٍ ... تُطَالِعُ من وَهْدٍ خَصِيبٍ إلى وَهْد
وفي وجهه هذا يقول:
دَعَا المُحْرمُونَ اللهَ يَسْتَغْفِرُونَهُ ... بمكَّةَ لَيْلاً أَنْ تُمَحَّى ذُنُوبُها
ونادَيتُ يا رَبَّاهُ أَوَّلُ سالَتي ... لنَفْسِي لَلَيْلى، ثمَّ أَنتَ حَسِيبُها
فإِنْ أُعْطَ لَيْلَى في حَيَاتِي لا يَتُبْ ... إِلى اللهِ عَبْدٌ تَوْبَةً لا أَتُوبُها
وخرج شيخ من بني مرة إلى أرض بني عامر ليلقى المجنون، قال فدللت على خيمةٍ فأتيتها، فإذا أبوه شيخ كبير وإخوة له رجالٌ، وإذا نعم ظاهرةٌ وخيرٌ كثير، فسألتهم عن المجنون؟ فاستعبروا جميعاً وبكوا، قال الشيخ والله لهو كان آثر هؤلاء عندي، وإنه عشق امرأةً من قومه، والله ما كانت تطمع في مثله، فلما أن فشا أمره وأمرها كره أبوها أن يزوجه إياها بعد ظهور الخبر، فزوجها من رجلٍ آخر، فجن ابني وجداً عليها وصبابة بها، فحبسناه وقيدناه فكان يعض لسانه وشفتيه، حتى خشينا أن يقطعهما، فلما رأينا ذلك خلينا سبيله، فهو في هذه الفيافي مع الوحش، يذهب في كل يومٍ بطعامه فيوضع له حيث يراه، فإذا تنحوا عنه، جاء فأكل، وإذا أخلقت ثيابه أتوه بثياب فيلقونها حيث يراها، ويتنحون عنه، فإذا رآها أتاها فألقى ما عليه ثم لبسها.
قال فسألتهم أن يدلوني عليه لآتيه؟ فدلوني على فتىً من الحي، وقالوا لو يزل صديقه، وليس يأنس بأحدٍ إلا به، فهو يأخذ أشعاره فيأتينا بها، فأتيته فسألته أن يدلني على ما أحتال به للدنو منه، فقال إن كنت تريد شعره فكل شعرٍ قاله إلى أمسٍ فهو عندي، وأنا أذهب غداً، فإذا كان قال شيئاً أتيتك به، قال فقلت له لا، بل تدلني عليه فآتيه، فقال إن نفر منك تخوفت أن ينفر مني فيذهب شعره!