على وَجْه مَىٍّ مَسْحَة من مَلاَحَةٍ ... وتَحْتَ الثِّيَاب الشَّيْنُ لَوْ كان باديَا
ألم تَرَ أَنَّ الماءَ يَخْبُثُ طَعْمُهُ ... وإِنْ كان لَوْنُ الماءِ أَبَيْضَ صافيَا
فيا ضَيْعَةَ الشِّعْرِ الَّذي لَجَّ فانْقَضَى ... بِمَىَّ ولم أَمْلِكُ ضَلاَلَ فُؤَاديَا
وكان يشبب أيضاً بخرقاء، وهي من بني البكاء بن عامر بن صعصة، وكان سبب تشبيبه بها أنه مر في سفر ببعض البوادي، فإذا خرقاء خارجةٌ من خباءٍ لها، فنظر إليها، فوقعت في قلبه، فخرق إداوته ودنا منها يستطعم كلامها، فقال: إني رجلٌ على ظهر سفرٍ وقد تخرقت إدواتي فأصلحيها لي، فقالت: والله إني ما أحسن العمل، وإني لخرقاء، والخرقاء: التي لا تعمل بيدها شيئاً، لكرامتها على أهلها، فشبب بها وسماها خرقاء.
وقال المفضل الضبي: كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال لي يوماً: هل لك إلى أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة؟ فقلت: إن فعلت فقد بررتني، فتوجهنا جميعاً نريدها، فعدل بي عن الطريق بقدر ميلٍ، ثم أتينا أبيات شعر، فاستفتح بيتاً ففتح له وخرجت علينا امرأةٌ طويلةٌ حسانةٌ بها فوةٌ، فسلمت وجلست، فتحادثنا ساعةً ثم قالت لي: هل حججت قط؟ قلت: غير مرةٍ، قالت: فما منعك من زيارتي؟ أما علمت أني منسكٌ من مناسك الحج؟ قلت: وكيف ذاك؟ قالت: أما سمعت قول عمك ذي الرمة:
تَمَامٌ الحَجِّ أَنْ تَقِفَ المطايَا ... على خَرْقاءَ واضِعَةِ اللِّثَام
وكان لذي الرمة إخوةٌ، هشامٌ وأوفى ومسعودٌ، فمات أوفى. ثم مات بعده ذو الرمة، فقال مسعودٌ:
تَعَزَّيْتُ عن أَوْفَى بَغْيلاَنَ بَعْدَهُ ... عَزَاءً وجَفْنُ العَيْنِ ريَّانُ مُتْرَعُ
ولم تُنْسنِى أَوْفَى المُصيباتُ بَعْدَهُ ... ولكنَّ نَكءَ القَرْحِ بالقَرْحِ أَوْجَعُ
هشامٌ الذي يقول:
حَتَّى إِذا أَمْعَرُوا صَفْقَىْ مَبَاءَتهمْ ... وجَرَّدَ الخُطْبُ أَثْبَاجَ الجَراثيمِ
وأَبَّ ذُو المَحْضَرِ البادي إِبابَتَهُ ... وقَوَّضَتْ نيَّةٌ أَطْنَابَ تَخْيِيمِ
أَلْوَى الجِمَالُ هَرَاميلُ العِفَاءِ بها ... وبالمَنَاكب رَيْعٌ غَيْرُ مَجْلُومِ
تَصْطَكُّ أَعْناقُها والبَقُّ تَقْدَعُها ... حتَّى أَنَاخُوا فزَمُّوا كُلَّ مَزْمُومِ
من كُلِّ أَكْلَفَ أَوْ أَجْأَي تَئِطُّ له ... أَنْسَاعُ تابُوت جَوْفٍ غَيْر مَهْضُومِ
عَرَكْرَكٍ مُهْجِرِ الضُّؤْبانِ أَوَّمَهُ ... رَوْضُ القِذَاف رَبِيعاً أَيَّ تَأْوِيمِ
الضؤبان: وسطه، والمهجر: الواسع، يقال ناقةٌ ذات سنامٍ مهجرٍ إذا كان مشرفاً.
ما مَسَّ مُذْ لُهِنَ البُهْمَى تَبَقَّلَهَا ... قَيْنَيْهِ في مَرْتَعٍ أَرْمَاثُ تَرْميم
حتَّى رَمى أُمَّهات القُرْد خابِطُهَا ... بالناصَلاتِ أَنابِيشاً بِتَسْهِيم
واسْتَنَّ فَوْقَ الحَذَاري القُلْقُلاَنُ كما ... شَكْلُ الشُّنُوفِ يُحَاكَى بالهيَانِيمِ
الحذاري: جمع حذرية، وهي الأرض الصلبة، والقلقلان: النبت
بعدَ المَصيف إلى خَبْرَاء مَعْقُلَةٍ ... حتَّى يَمُوتَ سَمَالُ الصَّيْف بالعُوم
منَ الفَرَاش المُقَضَّى عاش في رَنَقٍ ... رَخْفٍ السَّحاياتِ وَلَّي غَيْرَ مَطْعُومِ
السحايات: بقية الماء، واحدتها سحايةٌ.
كَأَنَّ أَجْسادَها الأَظْفارُ جامدَةً ... في قِنَّفِ الصَّقِرِ الآنِى الشَّراذِيم
القنف: طين القاع إذا تشقق، والصقر: الذي قد صقرته الشمس: والآني: الذي قد بلغ إناه.
قال أبو محمد: ولم أذكر هذا الشعر لأنه عندي مختارٌ.
ولكن ذكرته لأني لم أسمع لهشامٍ بشعرٍ غيره.
قال ابن أبي فروة: قلت لذي الرمة في قوله:
إذا انْجَابَت الظَّلْمَاءُ أَضْحَتْ رُؤُوسُها ... عليهنَّ من جَهْد الكَرَى وهْىَ ظُلَّعُ
ما علمت أحداً من الناس أظلع الرؤوس غيرك؟ قال: أجل.
وكان ذو الرمة كثير الأخذ من غيره، ومما أخذه من غيره قوله في الحرباء: