أَلم أَكُ ناراً يَصْطَليها عَدُوُّكُمْ ... وحِرزْاً لِمَا أَلْجَأْتُمُ مِنْ ورَائِيَا
وباسِطَ خَيْرٍ فيكُمُ بيَمينه ... وقابِضَ شَرٍّ عَنْكمُ بشِماليَا
أَلاَ لاَ تَخَافَا نَبْوَتى في مُلمَّةٍ ... وخافا المَنَايا أَنْ تَفُوتَكُما بِيَا
وقوله:
يا أُخْتَ ناجِيَةَ السَّلامُ عَلَيْكُمُ ... قَبْلَ الرَّحِيلِ وقَبْلَ لَوْمِ العُذَّلِ
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمْ أَنَّ آخِرَ عَهْدِكمُ ... يَوْمُ الرَّحيلِ فَعَلْتُ ما لم أَفْعَل
أَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ وشْكَ بَيْنٍ عاجِل ... لَقَنعْتُ أَو لَسَأَلْتُ ما لم أَسْأَلِ
وقدم جريرٌ المدينة فأتاه الشعراء وغيرهم، وأتاه أشعب فيهم، فسلموا عليه وحادثوه ساعةً، ثم خرجوا وبقي أشعب، فقال جريرٌ له: أراك قبيح الوجه وأراك لئيم الحسب! ففيم قعودك وقد خرج الناس؟ فقال له أشعب: إنه لم يدخل عليك أحدٌ هو أنفع لك مني! قال: وكيف ذاك؟ قال: لأني آخذ رقيق شعرك فأزينه بحسن صوتي، فقال له جريرٌ: فقل فاندفع أشعب يتغنى:
يا أُختَ ناجِيَةَ السلامُ عليكمُ
فاستخف جريراً الطرب لغنائه بشعره، حتى زحف إليه فاعتنقه، وسأله عن حوائجه، فأخبره فقضاها.
وقوله في الفرزدق:
لَقَدْ ولَدَتْ أُمُّ الفَرَزْدَقِ فاجِراً ... فجاءَت بوزْوَازٍ قَصيرِ القَوَائِم
وما كان جارٌ للفَرَزْدِقَ مُسْلمٌ ... ليَأْمَنَ قِرْداً لَيْلُهُ غَيْرُ نائمِ
يُوَصِّلُ حَبْلَيْه إِذا جَنَّ لَيْلُهُ ... لِيَرْقَى إلى جاراته بالسَّلالمِ
أَتَيْتَ حُدُودَ الله مُذْ أنتَ يافعٌ ... وشبْتَ فما يَنْهاكَ شَيْبُ اللَّهازِم
تَتَبَّعُ في الماخُورِ كلَّ مُرِيبَةٍ ... ولَسْتَ بأَهْلِ المُحْصَنَات الكَرَائم
هو الرِّجْسُ يا أَهْلَ المَدينةَ فاحْذَرُوا ... مَدَاخلَ رِجْسٍ بالخَبِيثات عالم
لَقَدْ كان إخْراجُ الفَرَزْدَقِ عَنْكُمُ ... طَهُوراً لما بَيْنَ المُصَلَّى ووَاقمِ
وقد كان عمر بن عبد العزيز رحمه حين بلغه فجور الفرزدق نفاه عن المدينة.
تَدَلَّيْتَ تَزْنى من ثمَانينَ قامَةً ... وقَصَّرْتَ عن باعِ العُلَى والمَكارِمِ
أراد قول الفرزدق:
هُمَا دَلَّتانى من ثمانينَ قامَةً ... كَمَا انْقَضَّ بازٍ أَقْتَمُ الرِّيشِ كاسرُه
فلمّا اسْتَوَتْ رِجْلاىَ في الأَرضِ قالَتَا ... أَحَىٌّ يُرَجَّى أَمْ قَتيلٌ نُحاذِرُه
فقُلْتُ ارْفَعَا الأَسبابَ لا يَشْعُرُ وابنا ... وأَقْبَلتُ في أَعجْازِ لَيْلٍ أُبادِرُهْ
أَبادرُ بَوَّابَيْنِ قد وُكِّلاَ بِنَا ... وأَحْمَرَ من ساجٍ تَبِصُّ مَسامرُهْ
ومن جيد شعر جرير مرثيته أم حزرة امرأته، وكان جرير يسميها الجوساء، لذهابها في البلاد وأولها:
لَوْلاَ الحَيَاءُ لَعادَني اسِتْعبارُ ... وَلَزُرْتُ قَبْرَك والحَبيِبُ يُزَارُ
ولَّهْت قَلبي إِذْ عَلَتْنى كَبْرَةٌ ... وذَوُو التَّمائمِ من بَنيك صغارُ
لا يُلْبِثُ الأَحبابَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا ... لَيْلٌ يَكُرُّ عَليهمُ ونَهارُ
صَلَّى المَلاَئكَةُ الذينَ تُخَّيرُوا ... والطَّيِّبُونَ عليك والأَبْرَارُ
فلقد أَراكِ كُسيت أَحْسَنَ مَنْظَر ... ومَعَ الجَمَالِ سَكينَةٌ ووَقارُ
كانَتْ إِذا هَجرَ الحَبيِبُ فرَاشَها ... خُزِنَ الحَديثُ وعَفَّتِ الأَسْرارُ
وقوله:
كيف العَزاءُ ولم أَجِدْ مُذْ بنْتُمُ ... قَلْباً يَقَرُّ ولا شَرابً يَنْقَعُ
ولقد صَدَقْتُكِ في الهَوَى وكَذَبتني ... وخَلَفْتِنى بمَواعد لا تَنْفَعُ
حَيُّوا الدَّيارَ وسائُلوا أَطْلالَها ... هَلْ تَرْجعُ الخَيَرَ الدِّيارُ البَلقْعَ
ولقد حبَسْتُ لَك المَطِىَّ فلم يَكُنْ ... إلا السَّلامُ ووَكْفُ عَيْنٍ تَدْمَعُ