أَينَ الذينَ بَنَوْا فطالَ بِنَاؤُهمْ ... وتَمتَّعُوا بالأَهلِ والأَولادِ
فإِذَا النَّعيمُ وكلُّ ما يُلْهَى به ... يوماً يَصيرُ إِلى بِلىً ونَفَادِ
في آلِ غَرْفٍ لو بَغَيْتِ لِيَ الأُسَى ... لَوَجَدْتِ فِيهم إِسْوَةَ العُدَّادِ
ما بَعْدَ زَيْدٍ في فَتَاةٍ فُرِّقُوا ... قتْلاً ونَفْياً بعدَ حُسْنِ تآدِي
فَتَخَيَّرُوا الأَرضَ الفَضَاءَ لِعِزِّهِمْء ... ويَزِيدُ رَافِدُهُمْ على الرُّفَّادِ
إِمَّا تَرَيْنِي قَدْ بَلِيتُ وغَاضَنِي ... ما نِيلَ مِن بَصَرِى ومن أَجْلاَدِي
وعَصَيْتُ أَصحابَ الصَّبابَةِ والصِّبَا ... وأَطَعْتُ عَاذِلَتِي ولاَنَ قِيَادِي
فلقد أَرُوحُ على التِّجارِ مُرَجَّلا ... مَذِلاً بمَالِى لَيِّناً أَجْيَادِي
ولقدْ لَهَوْتُ ولِلشَّبابِ لَذَاذَةٌ ... بِسَلاَفَةٍ مُزِجَتْ بماءِ غَوادِي
مِنْ خَمْرِ ذِي نَطَفٍ أَغَنَّ مُنَطَّقٍ ... وَافَى بها لِدَرَاهِمِ الأَسْجَادِ
يَسْعَى بها ذُو تُومَتَيْنِ مُشَمِّرٌ ... قَنَأَتْ أَنَامِلُهُ منَ الفِرْصَادِ
والبِيضُ تَمْشِي كالبُدُورِ وكالدُّمَى ... ونَوَاعِمٌ يَمْشِينَ بالأَرْفَادِ
والبِيضُ يَرْمِينَ القُلُوبَ كأَنَّها ... أُدْحِيُّ بَيْنِ صَرِيمةٍ وجَمَادِ
يَنْطِقْنَ مَعرُوفاً وهُنَّ نوَاعِمٌ ... بِيضُ الوُجُوهِ رَقيقَةُ الأَكْبادِ
يَنْطِقْنَ مَخْفُوضَ الحَدِيثِ تَهَامُساً ... فَبَلَغْنَ ما حاوَلْنَ غَيْرَ تَنَادِي
ولقدْ غَدَوْتُ لِعَازبٍ مُتَناذَرِ ... أَحْوَى المذَانِبِ مُؤْنِق الرُّوَّادِ
جَادَتْ سَوَارِيَهُ وآزَرَ نَبْتَهُ ... نُفَأٌ من الصَّفْرَاءِ والزُّبَّادِ
بِالْجوِّ فالأَمَرَاتِ حَوْلَ مُغَامِرِ ... فَبِضَارِجٍ فَقَصِيمَةِ الطُّرَّادِ
بِمُشَمِّرٍ عَتِدٍ جَهِيزٍ شَدُّهُ ... قَيْدِ الأَوَابِدِ والرِّهانِ جَوَادِ
يَشْوِي لَنَا الوَحَدَ المُدِلَّ بِحُضْرِهِ ... بِشَريجِ بَيْنَ الشَّدَّ والإِيرَادِ
ولقَدْ تَلَوْتُ الظَّاعِنينَ بِجَسْرَةٍ ... أُجُدٍ مُهَاجِرَةِ السِّقَاب جَمَادِ
عَيْرَانةٍ سَدَّ الرَّبِيعُ خَصاصَهَا ... مَا يَسْتَبِينُ بِهَا مَقِيلُ قُرَادِ
فَإِذَا وذَلِكَ لا مهَاهَ لذِكْرِهِ ... والدَّهرُ يُعْقِبُ صَالِحاً بِفَسَادِ
قال
المرقش الأكبر
يَا صاحِبَّي تَلَوَّمَا لاَ تَعْجَلاَ ... إِنَّ الرَّحِيلَ رَهِينُ أَنْ لاَ تَعْذُلاَ
فَلَعَلَّ بُطْأَكُما يُفَرِّطُ سَيِّئاً ... أَوْ يَسْبِقُ الإِسْرَاعُ سَيْباً مُقْبِلا
يَا رَاكِباً إِمْا عَرَضْتَ فَبَلَّغَنْ ... أَنَسَ بْنَ سَعْدٍ إِنْ لَقِيتَ وحَرْمَلاَ
لِلهِ دَرُّكُمَا ودَرُّ أَبِيكُما ... إِنْ أَفْلَتَ الغُفَلِيُّ حتَّى يُقْتَلاَ
منْ مُبْلِغُ الأَقْوَامِ أَنَّ مُرَقِّشاً ... أَمْسَى على الأَصْحَابِ عِبْئاً مُثْقِلاً
ذَهَبَ السِّبَاعُ بِأَنْفِهِ فَتَرَكْنَهُ ... أَعْثَى عَلَيْهِ بِالجِبالِ وجَيْئَلاَ
وكَأَنَّما تَرِدُ السِّبَاعُ بِشِلْوِه، ... إِذْ غَابَ جَمْعُ بَني ضُبَيْعَةَ، مَنْهلاً
وقد كان مرقش وهو في ذلك الكهف قال:
سَرَى لَيْلاً خَيَالٌ مِنْ سُلَيْمى ... فَأَرَّقَنِي وأَصْحَابي هُجُودُ
فَبِتُّ أُدِيرُ أَمْرِي كلَّ حالٍ ... وأَرْقُبُ أَهْلَهَا وهُمُ بعيدُ
عَلَى أَنْ قَدْ سَمَا طَرْفِي لِنَارٍ ... يُشَبُّ لها بذِي الأَرْطَى وَقُودُ