فانْصَاعَ وانْصَعْنَ يَهْفُو كُلُّها سَدِكٌ ... كأَنَّهنَّ من الضُّمْرِ المَزَاجِيلُ
فاهْتَزَّ يَنْفُضُ مَدْرِيَّيْنِ قد عَتُقَا ... مُخَاوِضٌ غَمَرَاتِ الموتِ مَخْذُولُ
شَرْوَى شَبِيهَيْنِ مَكْرُوباً كُعُوبُهُما ... في الجَنْبَتَيْنِ وفي الأَطْرافِ تأْسِيلُ
كِلاَهما يَبْتَغِي نَهْكَ القِتَال بهِ ... إِنَّ السِّلاَحَ غَدَاةَ الرَّوْعِ مَحْمولُ
يُخَالِسُ الطَّعْنَ إِيشاغاً على دَهَشٍ ... بِسَلْهَبٍ سِنْخُهُ في الشَّأْنِ مَمْطُولُ
حتَّى إِذا مَضَّ طَعْناً في جَواشِنِها ... ورَوْقُهُ من دَمِ الأَجْوَافِ مَعْلُولُ
وَلَّى وَصُرِّعْنَ في حَيْثُ اَلْتَبَسْنَ به ... مُضَرَّجاتٌ بأَجْرَاحٍ ومَقْتُولُ
كأَنَّه بعْدَ ما جَدَّ النَّجَاء بهِ ... سَيْفٌ جَلاَ مَتْنَهُ الأَصْنَاعُ مَسْلُولُ
مُستَقْبِلَ الرِّيحِ يَهْفُو وَهْوَ مُبْتَرِكٌ ... لسانُهُ عن شِمالِ الشِّدْقِ مَعْدُولُ
يَخْفِي التُّرَابَ بأَظْلافٍ ثمانيةٍ ... في أَرْبَعٍ مَسُّهُنَّ الأَرْضَ تَحليلُ
مُرَدَّفاتٍ عَلَى أَطْرَافِها زمَعٌ ... كأَنَّها بالعُجَاياتِ الثَّآلِيلُ
لهُ جنَابانِ مِن نَقْعٍ يُثَوِّرُهُ ... فَفَرْجُهُ مِن حَصَى المَعْزَاءِ مَكْلُولُ
ومَنْهلٍ آجِنٍ في جَمِّهِ بَعَرٌ ... مِمَّا تَسُوقُ إِليه الرِّيحُ مَجْلُولُ
كأَنَّهُ في دِلاَء القوم إِذْ نَهَزُوا ... حَمٌّ على وَدَكٍ في القِدْرِ مَجْمُولُ
أَوْرَدْتُهُ القومَ قد رانَ النُّعاسُ بهمْ ... فقُلْتُ إِذْ نَهِلُوا مِن جَمِّهِ: قِيلُوا
حَدَّ الظَّهِيرةِ حتَّى تَرْحَلُوا أُصُلاً ... إِنَّ السِّقَاء لهُ رَمٌّ وتَبْلِيلِ
لمَّا وَرَدْنا رَفَعْنا ظِلَّ أَرْدِيَةٍ ... وفارَ باللَّحْمِ للقومِ المَراجِيلُ
وَرْداً وأَشْقَرَ لم يُنْهِئْهُ طابِخُهُ ... ما غَيَّرَ الغَلْيُ مِنْهُ فَهْوُ مأْكُولُ
ثُمَّتَ قُمْنا إِلى جُرْدٍ مُسَوَّمةٍ ... أَعْرَافُهُنَّ لأَِيْدِينا منَاديلُ
ثمَّ ارْتَحَلْنا على عِيسٍ مُخَدَّمةٍ ... يُزْجِي رَوَاكِعَها مَرْنٌ وَتَنْعِيلُ
يَدْلَحْنَ بالماءِ في وُفْرٍ مخَرَّبةٍ ... منها حَقَائبُ رُكْبانٍ ومَعْدَولُ
نَرْجُو فَوَاضِلَ رَبٍّ سَيْبُهُ حَسَنٌ ... وكلُّ خَيْرٍ لديهِ فهْوَ مقْبُولُ
رَبٌّ حَبَانا بِأَمْوالٍ مُخَوَّلَةٍ ... وكلُّ شَيءٍ حَبَاهُ اللهُ تَخويلُ
والمرءُ ساعٍ لأَمرٍ ليس يُدْرِكهُ ... والعَيْشُ شُحٌّ وإِشْفَاقٌ وتأْمِيلُ
وعازِبٍ جَادَهُ الوَسْمِيُّ في صَفَرٍ ... تَسْرِي الذِّهابُ عليهِ فهْوَ مَوْبُولُ
ولم تَسَمَّعْ بهِ صَوْتاً فَيُفْزِعَها ... أَوَابدُ الرُّبْدِ والْعِينُ المَطَافِيلُ
كأَنَّ أَطْفالَ خِيطَانِ النَّعامِ بِهِ ... بَهْمٌ مُخَالِطُهُ الْحَفَّانُ والْحُولُ
أَفْزَعْتُ منهُ وُحُوشاً وَهْيَ ساكِنَةٌ ... كأَنَّها نَعَمٌ في الصُّبْحِ مَشْلُولُ
بِسَاهِمِ الوَجْهِ كالسِّرْحانِ مُنْصَلِتٍ ... طِرْفٍ تَكاملَ فيهِ الحُسْنُ والطُّولُ
خَاظِي الطَّرِيقةِ عُرْيانٍ قَوَائِمُهُ ... قد شَفَّهُ مِن رُكُوبِ البَرْدِ تَذْبِيلُ
كأَنَّ قُرْحَتَهُ إِذْ قامَ مُعْتَدِلاً ... شَيْبٌ يُلَوِّحُ بالحِنَّاءِ مَغسُولُ
إِذَا أُبِسَّ بهِ في الأَلْف بَزَّرَهُ ... عُوجٌ مُرَكَّبةٌ فيها بَرَاطِيلُ
يَغْلُو بِهِنَّ ويَثْنِي وهْوَ مُقْتَدِرٌ ... في كَفْتِهنَّ إِذَا اسْتَرْغَبْنَ تَعجِيلُ