أيها السيد الشريف، عشت أطول الأعمار، بزيادةٍ من العمر، موصولة بقرائنها من الشكر، لا ينقضي حق نعمة حتى تجدد لك أخرى، ولا يمر بك يوم إلا كان مقصراً عما بعده، موفياً على ما قبله. إني تصفحت أحوال الأتباع الذين تجب عليهم الهدايا إلى السادة، فالتمست التأسي بهم في الإهداء، وإن قصرت بي الحال عن الواجب، وإني وإن أهديت نفسي فهي ملك لك، لا حظ فيها لغيرك، ورميت بطرفي إلى كرائم مالي، فوجدتها منك. فكنت إن أهديت منها شيئاً كمهدي مالك إليك، وفزعت إلى مودتي، فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة، فرأيت إن جعلتها هديتي لم أجدد لهذا اليوم الجديد براً ولطفاً، ولم أميز منزلة من الشكر بمنزلة من نعمتك، إلا كان الشكر مقصراً عن الحق والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة، فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك، والإقرار بما يجب لك براً أتوصل به إليك، وقلت في ذلك:
إن أهد مالاً، فهو واهبه ... وهو الحقيق عليه بالشكر
أو أهد شكراً، فهو مرتهن ... بجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغني إذا طلعت ... أن تستضيء بسنة البدر
وكتب بعض الكتاب إلى بعض الملوك: النفس لك، والمال منك، والرجاء موقوف عليك، والأمل مصروف نحوك، فما عسى أن أهدي إليك في هذا اليوم، وهو يوم سهلت فيه العادة سبيل الهدايا للسادة، وكرهت أن نخليه من سنته، فنكون من المقصرين، أو أن ندعي أن في وسعنا ما يفي بحقك علينا، فنكون من الكاذبين، فاقتصرنا على هدية تقضي بعض الحق، وتنفي بعض الحقد، وتقوم عندك مقام أجمل البر. ولا زلت أيها الأمير دائم السرور والغبطة، في أتم أحوال العافية، وأعلى منازل الكرامة، تمر بك الأعياد الصالحة، والأيام المفرحة، فتخلقها وأنت جديد، تستقبل أمثالها، فتلقاك ببهائها وجمالها. وقد بعثت الرسول بالسكر لطيبه وحلاوته، والسفرجل لفأله وبركته، والدرهم لبقائه عند كل من ملكه، ولا زلت حلو المذاق على أوليائك، مراً على أعدائك، متقدماً عند خلفاء الله الذين تليق بهم خدمتك وتحسن أفنيتهم بمثلك. وقد جمعنا في هذه القصيدة ثناء ومسرةً واعتذاراً وتهنئة. وهي:
غاد في المهرجان كأساً شمولا ... وأطعني ولا تطيعن عذولا
فهو يوم قد كان آباؤك الغ ... ر يحلونه محلاً جليلا
إن للصيف دولة قد تقضت ... وأراك الشتاء وجهاً جميلا
وتجلت لك الرياض عن النو ... ر فكانت من كل شيء بديلا
فتمتع باللهو، لا زلت جذلا ... ن وطرف الزمان عنك كليلا
يعدل الشكر والثناء، وإن لم ... يك شكري لما أتيت عديلا
فجعلت الذي أطيق من الشكر ... على ما عجزت عنه دليلا
يا لها من هدية تقنع المه ... دى إليه ولا تعني الرسولا
وكتب بعض الشعراء إلى بعض أهل السلطان في المهرجان: هذه الأيام جرت فيها العادة، بإلطاف العبيد للسادة، وإن كانت الصناعة تقصر عما تبلغه الهمة، فكرهت أن أهدي فلا أبلغ مقدار الواجب، فجعلت هديتي هذه الأبيات، وهي:
ولما أن رأيت ذوي التصافي ... تباروا في هدايا المهرجان
جعلت هديتي وداً مقيماً ... على مر الحوادث والزمان
وعبداً حين تكرمه ذليلاً ... ولكن لا يقر على الهوان
يزيدك حين تعطيه خضوعاً ... ويرضى من نوالك بالأماني
وأهدى أبو العتاهية إلى بعض الملوك نعلاً وكتب معها:
نعل بعثت بها لتلبسها ... تسعى به قدم إلى المجد
لو كان يصلح أن أشركها ... خدي جعلت شراكها خدي
وأهدى علي بن الجهم كلباً، وكتب:
استوص خيراً به فإن له ... عندي يداً لا أزال أحمدها
يدل ضيفي علي في غسق ال ... ليل إذا النار نام موقدها
أهدى أحمد بن يوسف ملحاً طيباً إلى إبراهيم بن المهدي، وكتب إليه: الثقة بك سهلت السبيل إليك، فأهديت هدية من لا يحتشم، إلى من لا يغتنم.
وأهدى إبراهيم بن المهدي إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي جراب ملح، وجراب أشنان، وكتب إليه: