والبيت كله مستور إلا الركن الأسود، فإن الأستار تفرج عنه مثل القامة ونصف، وإذا دنا وقت الموسم كسي القباطي، وهو ديباج أبيض خراساني، فيكون بتلك الكسوة ما كان للناس محرمين. فإذا حل الناس وذلك يوم النحر، حل البيت، فكسى الديباج الأحمر الخراساني. وفيه دارات مكتوبة فيها حمد الله وتسبيحه وتكبيره وتعظيمه، فيكون كذلك إلى العام القابل. ثم يكسى أيضاً على حال ما وصفت. فإذا كثرت الكسوة فخشي على البيت من ثقلها خفف منها، فأخذ ذلك سدنة البيت، وهم بنو شيبة.
وذكر بعض المصريين أنه حضر كشف البيت سنة خمس وستين فرأى بلاطه الزعفران واللوبان.
وذكر أيضاً عن بعض المكيين حديثاً يرفعونه إلى مشايخهم، أنهم نظروا إلى الحجر الأسود إذ هدم ابن الزبير البيت وزاد فيه، فقدروا طوله ثلاث أذرع، وهو ناصع البياض فيما ذكروا إلا وجهه الظاهر. واسوداده فيما ذكروا، والله أعلم لاستلام أهل الجاهلية إياه، ولطخه بالدم.
والمقام بشرقي البيت على سبع وعشرين ذراعاً منه، وجه المصلي خلفه مستقبل البيت إلى الغرب، والركن العراقي على يمينه، والباب والركن الأسود على يساره، وهو فيما ذكر من رآه حجر غير مرفوع يكون ذراعاً في ذراع، وفيه أثر قدم إبراهيم عليه السلام، وطول القدم مثل عظم الذراع. والحجر موضوع على منبر لئلا يمر به السيل، فإذا كان وقت الموسم وضع عليه تابوت حديد مثقب لئلا تناله الأيدي. وحول البيت كله سوارٍ ست غلاظ مربعة من حديد مذهبة ورؤوسها مذهبة أيضاً، يوقد عليها بالليل للطائفين، بين كل عمود منها والبيت نحو ما بين المقام والبيت. وزمزم بشرقي الركن الأسود بينهما مثل الثلاثين ذراعاً، وهي بئر واسعة تنورها من حجر مطوق أعلاه بالخشب، وسقفها قبو مزخرف بالفسيفساء على أربعة أركان، تحت كل ركن منها عمودا رخام متلاصقان، قد سد ما بين كل ركنين منها بشرجب خشب، ورد إلى باب من جهة المشرق. وحول القبو كله رف مثل البرطلة، وبشرقي زمزم بيت مقدر سقفه قبو مزخرف بالفسيفساء أيضاً مقفل عليه، وشرقي هذا البيت بيت كبير مربع له ثلاثة أقباء، وفي كل وجه منه باب.
وحمام المسجد كثير أنيس، يكاد الإنسان أن يطأه بقدمه لأنسه بالناس، وهو في لون حمام الأبرجة عندنا إلا أنه أقدر منه، وليس منها حمامة تجلس على البيت ولا تطير عليه. ولقد همني ذلك فرأيتها حين تكاد أن تحاذي البيت، وهي مستعلية في طيرانها ذلك، عكست حتى تصير دونه، وأخذت عن يمينه أو يساره، وذرقها ظاهر بارز على البيوت التي في المسجد إلا بيت الله الحرام فإنه نقي ليس فيه ولا عليه منه أثر، فسبحان معظمه ومقدسه ومطهره وتعالى علواً كبيراً.
وبين باب الصفا - وهو بقبلي البيت - والصفا الشارع وهو بطن الوادي، وبعد الشارع فناء غير كبير فيه الباعة، ثم الصفا في أصل جبل أبي قبيس قد أحدق بها البناء إلا من الوجه الذي يرقى إليها منه، والرقي إليها على ثلاث درج مبنية بالصخر. والواقف على الصفا مستقبل الجوف بنظر إلى البيت من باب الصفا. والمروة بشرقي المسجد وهي من الصفا بين المشرق والمغرب، قد أحدق بها البناء أيضاً إلا من وجه المصعد إليها، وهو من أعلى القصور، بينها وبين المسجد الحرام الزقاق الضيق، فالواقف على المروة مستقبل البيت تجاه الفرجة يرى الميزاب وما اتصل به من البيت، وبين الصفا والمروة شبيه بما بين السقاية والمسجد الجامع. والساعي بينهما إذا هبط من الصفا يريد المروة سلك في الشارع وهو مبطن الوادي، عن يمينه القصور، وعن يساره المسجد، ثم يتعرضه بطن وادٍ إذ انصبت قدماه فيه أرقل حتى يخرج عن آخره، وله علمان أخضران في جانبي الوادي، أحدهما وهو الأول خلف باب الصفا لاصقاً بالسور، والثاني أمامه بائن عن السور، جعلا ليفهم بهما حد الوادي الذي يرمل فيه.
ومنى قرية بشرقي مكة تنحو إلى القبلة قليلاً، خارجة عن الحرم على نحو الفرسخ منها، وفيها بنيان وسقايات، وأول ما يلقى منها الخارج من مكة إليها جمرة العقبة ثم الجمرتين اللتين ترميان مع جمرة العقبة بعد يوم النحر أيام التشريق. وبها مسجد أكبر من جامع قرطبة، وهو مسجد الخيف، له مما يلي المحراب أربع بلاطات معترضة، سقفها من جرائد النخل، وعمدها مجصصة، والمنبر عن يسار المحراب، والباب الذي يخرج منه الإمام عن يمينه، وفي موسطة صحن المسجد منارة، وفي كل جانب منها سقيفة.