وقال أبو عبيدة: نكح الفرزدق أمةً له زنجية، فولدت له بنتاً فسماها مكية، وكان يكنى بها، ويقول: أنا أبو مكية. فكتبت النوار يوماً إلى الفرزدق تشكو مكية فكتب إليها:
كنتم زعمتم أنها ظلمتكم ... كذبتم وبيت الله بل تظلمونها
فإن لا تعدوا أمها من نسائكم ... فإن أباها والد لن يشينها
وإن لها أعمام صدق وإخوةً ... وشيخاً إذا شئتم تأيم دونها
قالت النوار فإنا لا نشاء.
وقال الفرزدق في أمته الزنجية:
يا رب خود من بنات الزنج ... تنقل تنورا شديد الوهج
أعسن مثل القدح الخلنج ... يزداد طيباً بعد طول الهرج
وعن الهيثم بن عدي: عن ابن عياش قال: حدثنا سلمى الهذلي قال: كنت بسجستان مع طلحة الطلحات، فلم أر أحدا كان أسخى منه ولا أشرف نفساً، فكتب إلي عمي من البصرة: إني قد كبرت ومالي كثير، وأكره أن أوكله غيرك، فأقدم أزوجك ابنتي، وأصنع بك ما أنت أهله. قال: فخرجت على بغلة لي تركية، فأتيت البصرة في ثلاثين يوماً، ووافيته في صلاة العصر، فوجدته قاعداً على دكانه فسلمت عليه، فقال لي: من أنت؟ قلت له: ابن أخيك سلمى. قال: وأين ثقلك؟ قلت: تعجلت إليك حين أتاني كتابك وطرت نحوكم. قال: يا ابن أخي، أتدري ما قالت العرب؟ قلت: لا. قال: قالت العرب: شر الفتيان المفلس الطروب. قال: فقمت إلى بغلتي فأعدت سرجي عليها، فما قال لي شيئاً. ثم قال لي: إلى أين؟ قلت: إلى سجستان. قال: في كنف الله. قال: فخرجت فبت في الجسر، ثم ذكرت أم طلحة، فانصرفت أسأل عنها، وكان طلحة أبر الناس بها. فقلت: رسول طلحة، فقالت: ويحك! كيف ابني؟ قلت: على أحسن حال. قالت: فلله الحمد. وإذا بعجوز قد تحدرت، قالت: فما جاء بك؟ قلت: كيت وكيت. قالت: يا جارية. إيتيني بأربعة آلاف درهم، ثم قالت: إيت عمك فابتن بابنته، ولك عندنا ما تحب. قلت: لا أعود إليه أبداً. قالت: يا جارية إيتيني ببغلة ورحالة، ثم قالت: رواح بين هذه وبغلتك حتى تأتي سجستان. قلت: اكتبي بالوصاة بي والحالة التي استقبلتها. فكتبت بوجعها التي كانت فيه وبعافية الله إياها وبالوصاة بي، فلم تدع شيئاً، ثم دفعت حتى أتيت سجستان، فأتيت باب طلحة، وقلت للحاجب: رسول صفية بنت الحارث، وأنا عابس باسر. فدخل فخرج طلحة متوشحاً وخلفه وصيف يسعى بكرسي، فقمت بين يديه، فقال: ويلك! وكيف أمي؟ قلت: بأحسن حال. قال: انظر كيف تقول؟ قلت: هذا كتابها، قال: فعرف الشواهد والعلامات، قلت: اقرأ كتاب وصيتها. قال: ويحك، ألم تأتني بسلامتها؟ حسبك. فأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال لحاجبه: اكتبه في خاصة أهلي. قال: فوالله ما أتى علي الحول حتى أتم لي مائة ألف. قال ابن عياش: فقلت له: هل لقيت عمك بعد ذلك؟ قال: لا والله ولا ألقاه أبداً.