فقال: هن بدن إن لم تكرها رواجع. قال له: قد أشرفن على أمير المؤمنين. قال: هن بدن إن لم تكرها رواجع. فانصرف ودخل المصلى ليلاً. فوجد رجال قريش حلقا يتحدثون، فقالوا له: زاد خير. فقال: زاد خير. حتى انتهى إلى داره. فقالت له امرأته: زاد خير. فأنشدها الأبيات. قالت: كل ما أملك في سبيل الله إن لم أشاطرك مالي. فشاطرته مالها.
وروى أبو العباس قال: حدثت أن عمر الوادي قال: أقبلت من مكة أريد المدينة فجعلت أسير في صمد من الأرض، فسمعت غناء من الهواء لم أسمع مثله، فقلت: والله لأتوصلن إليه. فإذا هو عبد أسود. فقلت له: أعد ما سمعت فقال: والله لو كان عندي قرى أقريكه ما فعلت، ولكن أجعله قراك. فإني والله ربما غنيت بهذا الصوت وأنا جائع فأشبع، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط، وربما غنيته وأنا عطشان فأروى. ثم ابتدأ فغنى:
وكنت متى ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذ ما انقضت أحدوثةٌ لو تعيدها
قال عمر: فحفظته منه. ثم تغنيت به على الحالات التي وصف، فإذا هو كما ذكره.
وتحدث الزبيريون عن خالد صامة بأنه كان من أحسن الناس ضرباً بعود، قال: قدمت على الوليد بن يزيد في مجلس ناهيك به مجلساً، فألفيته على سريره وبين يديه معبد ومالك بن أبي السمح وابن عائشة وأبو كامل غزيل الدمشقي، فجعلوا يغنون حتى بلغت النوبة إلي. فغنيته:
سرى همي وهم المرء يسري ... وغاب النجم إلا قيد فتر
لهم ما أزال له قرينا ... كأن القلب أودع حر جمر
على بكر أخي فارقت بكراً ... وأي العيش يصلح بعد بكر
فقال: أعد يا صامة. ففعلت. فقال لي: من يقول هذا الشعر؟ قلت: يقوله عروة بن أذينة يرثي أخاه بكراً. قال الوليد: وأي عيش يصلح بعد بكر. والله لقد حجر واسعاً. هذا والله العيش الذي نحن فيه يصلح على رغم أنفه.
وقد قيل إن سكينة بنت الحسين غنيت بهذا الشعر فقالت: ومن بكر هذا؟ فوصف لها. فقالت: هو ذاك الأسيد الذي كان يأتينا، لقد طاب كل شيء بعده حتى الخبز والزيت.
وعن عبد الصمد بن المعذل قال: سمعت إسحاق الموصلي يتحدث قال: حججت مع الرشيد، فلما نزلت المدينة آخيت بها رجلاً كانت له مروءة ومعرفة وأدب، وكان يغني. فإني ذات ليلة في منزلي إذا أنا بصوته يستأذن علي، وظننت أمراً قد حدث ففزع فيه إلي. فأسرعت نحو الباب، فقلت: ما جاء بك؟ قال: دعاني صديق إلى طعام عتيد ومجلس شراب قد التقى طرفاه، وشواء رشراش، وحديث ممتع وغناء مشبع، فأجبته وأقمت معه إلى هذا الوقت، فأخذت مني حميا الكأس مأخذها، ثم غنيت بقول نصيب:
بزينب ألم قبل أن يرحل الركب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب
فكدت أطير طرباً. ثم وجدت في الطرب تنغيصاً إذ لم يكن معي من يفهم هذا كما فهمته. ففزعت إليك لأصف لك هذه الحال، ثم أرجع إلى صاحبي. وضرب بغلته موليا. فقلت: قف أكلمك. فقال: ما بي إلى الوقوف إليك من حاجة.
وحدث أن معاوية بن أبي سفيان استمع على يزيد ذات ليلة فسمع عنده غناء أعجبه، فلما أصبح قال له: من كان ملهيك البارحة؟ قال: سائب خائر، قال: فأكثر له العطاء.