ثم ابتدأ المسدود فغنى:
قلق لم يزل وصبر يزول ... ورضى لم يطل وسخط يطول
لم تسل دمعتي علي من الرح ... مة حتى رأيت نفسي تسيل
جال في جسمي السقام فجسمي ... مدنف ليس فيه روح تجول
ينقضي للقتيل حول فينسى ... وأنا فيك كل يوم قتيل
ثم سكت وغنى زنين:
ويقنعني ممن أحب كتابه ... ويمنعنيه إنه لبخيل
كفى حزناً ألا أطيق وداعكم ... وقد حان مني يا ظلوم رحيل
ثم سكت وغنى دبيس:
ليس إلى تركك من حيلة ... ولا إلى الصبر لقلبي سبيل
فكيفما شئت فكن سيدي ... فإن وجدي بك وجدٌ طويل
إن كنت أزمعت على هجرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل
قال أبو عكرمة: فأقبل أبو عيسى على المسدود، فقال له: عن صوتاً. فغنى:
ما حيلتي وفؤادي هائمٌ أبداً ... بعقرب الصدغ من مولاي ملسوع
لا والذي تلفت نفسي بفرقته ... فالقلب من حرق الهجران مصدوع
ما أرق العين إلا حب مبتدع ... ثوب الجمال على خديه مخلوع
قال أبو عكرمة: فوالله الذي لا إله إلا هو لقد حضرت من المجالس ما لا أحصي، ما رأيت مثل ذلك اليوم. ثم إن أبا عيسى أمر لكل واحد بجائزة وانصرفنا ولولا أن أبا عيسى قطعهم ما انقطعوا.
من سمع صوتاً فوافقه معناه واستخفه الطرب
حكى إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن أبيه، قال: دخلت على هارون الرشيد، فلما رأيته قد أخذ في حديث الجواري وغلبتهن على الرجال، غنيته بأبياته التي يقول فيها:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
مالي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني
فارتاح وطرب وأمر لي بعشرة آلاف درهم.
وغنى إبراهيم الموصلي محمد بن زبيدة الأمين بقول الحسن بن هانئ فيه:
رشأ لولا محاسنه ... خلت الدنيا من الفتن
كل يوم يسترق له ... حسنه عبداً بلا ثمن
يا أمين الله عش أبداً ... دم على الأيام والزمن
أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن
سن للناس القرى فقروا ... فكأن البخل لم يكن
قال: فاستخفه الطرب حتى قام من مجلسه، وأكب على إبراهيم يقبل رأسه. فقام إبراهيم من مجلسه يقبل أسفل رجليه، وما وطئتا من البساط. فأمر له بثلاثة آلاف درهم. فقال إبراهيم: يا سيدي، قد أجزيتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم. فقال الأمين: وهل ذلك إلا خراج بعض الكور؟! الرياشي عن الأصمعي، قال: قدم جرير المدينة فأتاه الشعراء وغيرهم، وأتاه أشعب فيهم. فسلموا عليه وحادثوه ساعةً وخرجوا، وبقي أشعب. فقال له جرير: أراك قبيحاً وأراك لئيم الحسب، ففيم قعودك وقد خرج الناس؟ فقال له: أصلحك الله، إنه لم يدخل عليك اليوم أحدٌ أنفع لك مني، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني آخذ رقيق شعرك فأزينه بحسن صوتي. فقال له جرير: فقل. فاندفع يغنيه:
يا أخت ناجية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
قال: فاستخف جريراً الطرب لغنائه بشعره حتى زحف إليه واعتنقه وقبل بين عينيه، وسأله عن حوائجه فقضاها له.
الزبير بن بكار قال: كان المسور بن مخرمة ذا مال كثير، فأسرع فيه على إخوانه، فذهب. فسأل امرأته، وكانت موسرة، فمنعته وبخلت عليه. فخرج يريد بعض خلفاء بني أمية منتجعاً. فلما كان ببعض الطريق نزل ماءً يقال له بلاكث. فقال له غلامه: كيف يقال لهذا الماء؟ قال: يقال له بلاكث. فقال:
بينما نحن من بلاكث بالقا ... ع سراعاً والعيس تهوي هويا
خطرت خطرة على القلب من ذك ... راك وهنا فما استطعت مضيا
قلت لبيك إذ دعاني لك الشو ... ق وللحاديين كرا المطيا