قالوا: التَّدويم: إنما يكون في الجوّ، يقال: دَوّم الطائر في السماء، إذا حلّق واْستدار؟ ودوَم في الأرض، إذا استدار فيها.
وما أدرك على أبي الطَّمَحان القَيْنيّ قولُه:
لما تَحَمَّلت الحُمول حسبتُها ... دَوْماً بأثلة ناعماً مَكْمُوماً
الدوم: شَجر المُقل، وهو لا يُكَم وإنما يُكَم النخل.
ومما أخذ على العجّاج قوله:
كأنّ عَينيه من الغُؤور ... قَلتان أو حَوْجَلتا قارُورِ
صَيّرتا بالنَّضح والتِّصْيير ... صلاصلَ الزَّيت إلى الشّطورِ
الحوجلتان: القارورتان. جعل الزَجاجَ ينضح ويَرشح. ومما أدرك على رؤبة قوله:
كُنتم كمن أدخل في جُحرٍ يدا ... فأخطأ الأفعى ولاقَى الأسودا
جعل الأفعى دون الأسود، وهي فوقه في المضرّة.
وأخذ عليه في وصف الظَّليم قوله:
وكُلُّ زَجّاج سُخَامُ الخَمْل ... تَبْري له في زعلاتٍ خطْل
فجعل للظليم عدّة إناث، كما يكون للحَمار، وليس للظليم إلا أنثى واحدة.
وأُخذ عليه قولُه يصف الرَّامي:
لا يَلتوي من عاطس ولا نَغَق
إنما هو النَّغيق والنُّغاق، وإنما يصف الرامي. وأدرك عليه قولُ:
أقفرت الوعثاء والعثاعِث ... من أهلها والبُرَق البَرَارِثُ
إنما هي البراث: جمع بَرْث. وهي الأرض اللينة.
وأدرك عليه قولُه: يا ليتنا والدهر جري السُّمّةِ إنما يقال: ذهب السّهمي أي في الباطل وأخذ عليه قوله
أو فِضّة أو ذهبٌ كِبْريتُ
قال: سَمع بالكِبْريت أنه أحمر فظن أنه ذَهب.
مما يَستقبح من تشبيهه قولُه في النساء:
يَلْبسن من لين الثيابِ نِيما
والنِّيم: الفرو المُغشىَّ. وأخذ عليه قولُه في قوائم الفَرس:
يَردبن شتَّى وَبقَعْن وَفْقَا
وأنشده مُسلم بنِ قُتَيبة، فقال له: أخطأت يا أبا الجَحِّاف. جعلتَه مُقيداً.
قال له رؤبة: أدْنني من ذنب البعير.
ومما أُدرك على أبي نُخيلة الراجز قولهُ في وصف المرأة:
مُرَية لم تَلْبس المرقّقا ... ولم تذُق من البُقول الفُستُقا
فجعل الفُستق من البقول، وإنما هو شَجر.
ومما أُدرك على أبي النجم قولُه في وصف الفرس:
يَسبح أُخراه ويَطفو أوَّلهُ
قال الأصمعي: إذا كان كذلك فحِمار الكسَّاحِ أسرع منه، لأن اضطراب مؤخره قَبيح. وإنما الوجه فيه ما قال أعرابي في وصف فرس أبي الأعور السُّلمي:
مرّ كَلمع البَرق سام ناظرُه ... يَسْبَح أُولاه ويَطفُو آخرُه
فما يَمسّ الأرضَ منه حافرُه
وأخذ عليه في الوُرود قولُه:
جاءت تَسامى في الرَّعيل الأول ... والظِّل عن أَخفافها لم يَفْضل
فوصف أنها وردت في الهاجرة. وإنما خَير الورود غَلساً، والماء بارد. كما قال الآخر:
فوردت قبل الصباح الفاتِقِ
وكقول لبَيد بن ربيعة العامريّ:
إنّ من وِرْدي لتغْلِيس النَهل
وقال آخر:
فوردْنَ قبل تَبينُّ الألوان
وأنشد بشَّار الأعمى قوِلَ كُثيّر عزة:
ألا إنَّما ليلَى عصا خيْزُرانة ... إذا غَمزوها بالأكُفّ تَلِينُ
فقال: للّه أبو صخر! جعلها عصا خَيْزرانة. فوالله لو جعلها عصا زيْد لَهَجّنها بالعَصَا، ألا قال كما قلتُ:
وبيضاء المَحاجر من معَدٍّ ... كأن حديثَها قِطَع الجُمانِ
إذا قامتْ لحاجتها تَثَنَّت ... كأنّ عِظامَها من خَيزران
ودخل العتابيّ على الرشيد فأَنشده في وصف الفَرس:
كأنّ أُذْنيه إذا تَشَوَّفا ... قادمةً أو قلماً مُحرّفَا
فعلم الناس أنه لحن، ولم يهتدِ أحدٌ منهم إلى إصلاح البيت غير الرشيد، فإنه قال: قُل:
تخال أذْنيه إذا تَشَوَّفا
والراجز وإن كان لَحن فإنه أصاب التَّشبيه. حدّث أبو عبد الله بن محمد بن عُرْفَة بواسط، قال: حدّثني أحمد بن محمد أبن يحيى عن الزُّبير بن بكّار عن سُليمان بن عياش السَّمديّ عن السائب، راوية كُثير عَزة، قال: قال لي كُثير عَزة يوماً: قُم بنا ابنِ أبي عَتيق نتحدّث عنده. قال: فجئنا فوجدنا عنده ابنَ مُعاذ المُغنّي. فلما رأى كُثيّراَ قال لابن أبي عتيق: ألا أُغنيك بشعر كُثير عزة؟ قال: بلى فغنّاه: