FluentPlex

The Unique Necklace

تقبيح الحسن وتحسين القبيح

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

فجعلته رائحاً مُقيماً في مقام واحد، والرائح غير المُقيم. والبيتان جميعاً مؤتلفان. ولكنَ من طلب عيباً وجده. ومما عابه ابنُ قتيبة وليس بعيب، قول المُرقَش الأصغر:

صحا قلبُه عنها على أنّ ذِكْرها ... إذا ذُكرت دارت به الأرضُ قائمَا

فقال له: كيفَ يَصحو مَن كانت هذه صِفته؟ والمعنى صحيح، وإنما ذهب إلى أن حاله هذه، على ما تقدّم من سوء حاله، حال صَحْو عنده. ومثل هذا في الشعر كثير، لأن بعض الشّر أهون من بعض.

وقال النبيّ صلى الله عيه وسلم في عمّه أبي طالب: إنه أخفُّ الناس عذاباً يوم القيامة، يُحذَى نعلين من نار يَغلي منها دماغُه. وهذا من العذاب الشديد، وإنما صار خفيفًا عندما هو أشدّ منه، فزعم المُرقّش أنه عند نفسه صاحٍ، إذ تبدُل حاله أسهل مما كان فيه. وقد عاب الناسُ على الحَسن بن هانئ قَوله:

واخفَت أهلَ الشّرك حتى إنّه ... لتخافُك النُطفُ التي لم تخلقِ

فقالوا: كيف تَخافه النُطف التي لم تُخلق؟ ومجاز هذا قَريب، إذا لحظ أنّ كل من خاف شيئاً خافه بجوارحه وسَمْعه وبَصره ولحمه ودمه، والنُطف داخلة في هذه الجملة، فهو إذا أخاف أهل الشرك أخاف النُطف التي في أصلابها.

وقال الشاعر:

ألا تَرْثِي لمُكتئبٍ ... يُحبّك لحمُه ودمُه

وقال المكفوف:

أحبكمُ حبّاً على الله أجرُه ... تَضمّنه الأحشاءُ واللحمُ والدمُ

ولقى العتّابي منصوراً النَمريّ فسأله عن حاله. فقال: إني لَمدهوش، وذلك أني تركت امرأتي وقد عَسُر عليها ولادُها. فقال له العتّابي: ألا أدلّك على ما يُسهل عليها. قال: وما هو؟ قال: اكتب عَلى رَحمها هارون. قال: وما مَعناكَ في هذا؟ قال: ألستَ القائل فيه:

إنْ أخلف القَطر لم تُخلف مواهبُه ... أو ضاق أمر ذَكرناه فيتسعُ

فقال: أبا لخُلفاء تُعرّض، وفيهم تَقع، وإياهم تَعيب. فيقال: إنه دخل على هارون فأعلمه ما كان من قول العَتّابي. فكتب إلى عبد الصمد عمّه يأمره بقتله. فكتب إليه عبدُ الصمد يشفع له. فوهبه إياه.

تقبيح الحسن وتحسين القبيح

سُئل بعض علماء الشعر: من أشعر الناس؟ قال الذي يُصوِّر الباطل في صورة الحق، والحقَّ في صورة الباطل، بلُطف معناه، ورقّة فِطْنته، فيُقَبِّح الحسنَ الذي لا أحسن منه، ويُحسن القبيح الذي لا أقبح منه.

فمن تحسين القبيح قولُ الحارث بن هشام يعتذر من فراره يوم بَدْر:

الله أعلم ما تركتُ قِتالَهم ... حتى رَموا مُهري بأشقَرَ مُزْبِدِ

وعلمتُ أنّي إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يَضْرر عدوّي مَشهدي

فصرفتُ عنهم والأحبةُ فيهمُ ... طمعاً لهم بعقاب يوم مُفْسِدِ

وهذا الذي سمعه صاحب الهند رُتْبيل، فقال: يا معشر العرب، حَسّنتم كل شيء فحَسُن حتى حَسّنتم الفرار. ومن تقبيح الحسن: قولُ بشّار العقيلي في سليمان بن عليّ، وكان وصل رجلاً وأحسن إليه:

يا سوأةً يُكثر الشيطانُ ما ذُكرت ... منها التعجبَ جاءت من سُليمانَا

لا تَعجبنَّ لخَيْرِ زلّ عن يده ... فالكَوكبُ النَّحس يَسقي الأرضَ أحيانا

وقال غيرُه في تَحسَين القَبيح:

يقولون لي إنّي بَخيل بنائلي ... ولَلْبخلُ خيرٌ من سؤال بَخيل

وقال المُتلمّس في تَقبيح الحسن:

وحَبْس المال خيرٌ من بُغاه ... وضَرْبٌ في البلاد بغَيْر زادِ

وإصلاحُ القليل يزيدُ فيه ... ولا يَبقَى الكثير مع الفَساد

وقال محمود الورَاق في تحسين القبيح:

يا عائبَ الفقر ألا تَزدجرْ ... عيبُ الغِنى أكبرُ لو تعتبرْ

مِن شرَف الفَقر ومِن فَضله ... على الغِنى إنْ صَحّ منك النَّظر

أنك تَعصي كي تَنال الغِنَى ... وليس تَعصي الله كي تفتقر

ومن تحسين القبيح، أنه قيل لجَذيمة الأبرش: ما هذا الوَضح الذي بك؟ قال: سيفُ الله جلاه. وقال اْبن حَبْناء، وكان به بَرص:

لا تحسبنّ بياضاً فيَّ مَنْقصةً ... إنّ اللَّهاميمَ في أقرابها بَلقُ

وقال محمود الورّاق يمدح الشَيب:

وعائب عابَني بشَيْبي ... لم يَعْدُ لمّا ألم وقتَه

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit