FluentPlex

The Unique Necklace

ما يعاب من الشعر وليس بعيب

Texto original Public domain

Leer con el diccionario

فقالوا ما هذا مما يُمدح به أحد من السُّوقة فضلاً عن الملوك. إنه يقوم بفوس ويأمر له بالعلف حتى كادَ يسنق. وليس هذا معناه، وإنما المعنى فيه ما قال أبو عُبيدة: إن ملوك العرب بلغ من حَزمها ونَظرها في العواقب أنّ أحدهم لا يبيت إلا وفرسُه مَوقوف بسَرجه، ولجامه بين يديه، قريباً منه، مخافة عدو يفجؤه، أو حال تنقلب عليه: فكان للنعمان فرس يقال له اليَحموم، يتعاهده كُلّ عشية. وهذا مما يتمادح به العرب من القيام بالخيل وارتباطها بأَفنية البيوت.

ومما عابوه، وليس بعَيب، قولُ زُهير:

قِفْ بالديار التي لم يَعْفُها القِدَم ... بلَى وغيَّرها الأرياح والدِّيمُ

فنَفى ثم حقّق في معنى واحد. فنَقض في عجز هذا البيت ما قال في صدره، لأنه زعم أنَّ الديار لم يَعْفُها القِدَم. ثم إن انتبه من مَرْقده، فقال: بلى عفاها وغيْرها أيضاً الأرياح والدِّيم. وليس هذا معناه الذي ذهب إليه، وإنما معناه: أنَّ الديار لم تَعْفُ في عَيْنه، من طريق محبّته لها وشغفه بمن كان فيها.

وقال غيرُه في هذا المعنى ما هو أبين من هذا، وهو قولُه:

ألا ليتَ المنازل قد بَلينا ... فلا يَرْمِين عن شَزْر حَزِينَا

فقوله ألا ليت المنازل قد بلينا أي بَلِي ذِكْرُها، ولكنَها تتجدّد على طُول البلى بتجدّد ذكرها. وقال الحسن بن هانئ في هذا المعنى، فلخّصه وأوضحه، وشنَّفه وقرّطه، حيث يقول:

لمن دِمَنٌ تزداد طِيبَ نَسيم ... على طُول ما أقوت وحسْنَ رُسوم

تجافَى البِلَى عنهنّ حتى كأنما ... لَبسْنَ على الإقواء ثوبَ نَعيم

وممَّا عِيب من الشّعر وليس بعَيب، ما يُروى عن مَروان بن الحَكم أنه قال لخالد بن يزيدَ بن معاوية، وقد أستنشده من شعره، فأَنشده:

فلو بقيتْ خلائفُ آل حَرْب ... ولم يُلْبِسْهمُ الدَّهرُ المَنونَا

لأصبح ماءُ أهل الأرض عَذْباً ... وأصبح لحمُ دُنياهم سمينا

فقال له مروان: منونا وسمينا، والله إنها لقافية ما اضطرك إليها إلا العَجْز. وهذا مما لا عَجز فيه ولا عابه أحد في قوافي الشعر، وما أرى العيب فيه إلا على مَن رآه عيباً؟ لأنَ الياء والواو يتعاقبان في أشعار العرب كُلها، قديمها وحديثها. وقال عبَيد بن الأبرصِ:

وكُل ذي غيْبة يؤوب ... وغائبُ المَوت لا يؤوبً

مَن يسأل الناسَ يَحْرموه ... وسائلُ الله لا يَخِيب

ومثلُه من المُحدثين:

أجارةَ بيتينا أبوك غَيُور ... وميسور ما يُرجى لديك عَسيرُ

ومما عِيب من الشعر وليس بعيب، قولُ ذي الأمة:

رأيتُ الناسَ يَنْتجعون غَيْثاً ... فقلت لصَيْدح انتجعي بلالا

ولما أنشدوا هذا الشعر بلالَ بن أبي بُردة، قال: يا غلام مُرْ لصيدح بقَتٍّ من عَلف، فإنها هي انتجعَتْنا. وهذا من التعنّت الذي لا إنصاف معه، لأن قوله انتجعي بلالا إنما أراد نفسه. ومثله في كتاب الله تعالى: " واسأل القَرْيةَ التي كُنّا فِيها والعِيَر التي أقْبَلنا فيها " . وإنما أراد أهلَ القرية وأهل العِير.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في بعض ما يَرتجز به من شعر:

إليك تَعدو قَلِقاً وَضينُها ... مخالِفاً دينَ النصارى دينُها

فجعل الدِّين للناقة، وإنما أراد صاحبَ الناقة. ولم تزل الشعراء في مدائحها تصف النُّوق وزيارتَها لمن تمدحه، ولكنّ مَن طلب تعنّتاً وَجده، أو تجنّياً على الشاعر أدركه عليه، كما فعل صريعُ الغواني بالحَسن بن هانئ حين لَقيه، فقال له: ما يَسلم لك بيتٌ عندي من سَقَط. قال: فأيّ بيت أسْقطت فيه؟ قال: أنشدني أيَّ بيتٍ شئتَ. فأنشدَه:

ذَكر الصِّبوحَ بسُحرِة فارتاحا ... وأمله ديكُ الصّباح صِياحَا

فقال له: قد ناقضت في قولك، كيف يُمِلّه ديك الصباح صِياحاً، وإنما يُبشره بالصَّبوح الذي ارتاح له. فقال له الحسن: فأنشدني أنت من قولك. فأنشده:

عاصىَ العَزاءَ فراح غَير مُفَنَدِ ... وأقام بين عَزيمة وتجلّدِ

قال له: قد ناقضت في قولك، إنك قلت:

عاصى العزاء فراح غير مُفند

ثم قلت:

وأقام بين عزيمة وتجلّد

Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado

Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.

Crear cuenta gratuita