FluentPlex

The Unique Necklace

من رفعه المدح ووضعه الهجاء

Original text Public domain

Read with the dictionary

قيل لأبي عمرو بن العلاء: أيّ بيت تقوله العرب أشعر؟ قال: البيت الذي إذا سمعه سامعُه سَوّلت له نفسه أن يقول مثله، ولأن يخدَش أنفه بظفر كلْبٍ أهونَ عليه من أن يقول مثلَه.

وقيل للأصمعيّ: أيّ بيت تقوله العرب أشعر؟ قال: الذي يُسابق لفظه معناه.

وقيل لخليل: أي بيت تقوله العرب أشعر؟ قال: البَيت الذي يكون في أوله دليل على قافيته. وقيل لغيره: أي بيت تقوله العرب أشعر؟ قال: البيتُ الذي لا يَحْجبه عن القلب شيء.

وأحسن من هذا كله قول زُهير:

وإنّ أحسنَ بيتٍ أنت قائُله ... بيت يُقال إذا أَنشدتَه صَدَقا

أحسن ما يجتلب به الشعر

قالت الحكماء: لم يُستدع شارد الشعر بأَحسنَ من الماء الجاري، والمكان الخالي، والشرف العالي. وتأول بعضهم الحالي بالحاء. يريد الحالي بالنوَّار، يعني الرياض، وهو توجيه حسن ولقي أبو العتاهية الحسنَ بن هانئ، فقال له: أنت الذي لا تقول الشعر حتى تُؤتى بالرّياحين والزهور فتوضع بين يديك؟ قال: وكيف ينبغي للشعر أن يُقال إلا على هكذا؟ قال: أما إني أقوله على الكَنيف. قال: ولذلك توجد فيه الرائحة.

وقال عبد الملك بن مَروان لأرطاة بن سُهيّة: هل تقول الآن شعراً؟ قال: ما أَشرب ولا أَطرب ولا أضرب، فلا يقال الشعر إلا بواحدة من هذه.

وقيل للحُطيئة: مَن أشعر الناس؟ فأخرج لساناً رقيقاً، كأنه لِسان حَيّة وقال: هذا إذا طَمِع.

وقيل لكُثير عَزّة: لمَ تركتَ الشعر؟ قال: ذهب الشَّباب فما أَعجب، وماتت عَزّة فما أطرب، ومات ابن أبي ليلى فما أرغب. يريد عبد العزيز بن مروان وقالوا: أشعر الناس النابغة إذاَ هب، وزُهير إذا غضب، وجَرير إذا رَغب.

وقال عمرو بن هند لِعَبيد بن الأبرص، ولَقيه في يوم بُؤسه: أَنْشِدني من شعرك. قال: حال الجَريض دون القَريض.

وقد يَمتنع الشعر على قائله ولا يَسلس حتى يَبعثه خاطر يطربه، أو صوت حَمامة.

وقال الفرزدق: أنا أشعر الناس عند اليأس، وقد يأتي عليّ الحِين وقَلْع ضِرْس عندي أهون من قول بيت شِعر. وقال الراجز:

إنما الشِّعر بناءٌ ... يبتنيه المُتنونَا

فإذا ما نسقوه ... كان غَثاً أو سمينا

رُبما وأتاك حِينا ... ثم يستصعب حِينا

واسلس ما يكون الشعر في أول الليل قبل الكَرى، وأول النهار قبل الغداء، وعند مفاجأة النفس واجتماع الفكر. وأقوى ما يكون الشعر عندي على قَدر قُوة أسباب الرغبة أو الرهبة.

قيل للخُريمي: ما بال مدائحك لمحمد من مَنصور بن زياد أحسنُ من مَراثيك؟ قال: كُنا حينئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نَعمل على الوفاء، وبينهما بَوْن بعيد.

والدليل على صحة هذا المعنى وصِدْق هذا القياس، أنّ كُثيرَ عزّة والكُميت ابن زيد كانا شِيعيّين غاليين في التشيع، وكانت مدائحهما في بني أمية أشرفَ وأجود منها في بني هاشم، وما لذلك علّة إلا قوة أسباب الطمع.

وقيل لكُثير عزّة: يا أبا صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر؟ قال: أَطوف في الرّباع المُحيلة، والرِّياض المُعشبة، فإن نفرت عنك القوافي، وأعيت عليك المعاني، فروّح قلبك، وأجمّ ذهنك، وارتصد لقولك فراغَ بالك وسعة ذِهنك فإنك تجد في تلك الساعة ما يَمتنع عليك يومَك الأطول، وليلك الأجمع.

من رفعه المدح ووضْعه الهجاء

قال بلال بن جرير: سألتُ أبي جريراً فقلت له: إنك لم تَهجُ قوماً قط إلا وضعتَهم، غير بني لجأ؟ قال: يا بُني، إنّي لم أجد شرفاً فأضعه، ولا بناء فأهدمه.

وقد يكون الشيء مدحاً فيجعله الشَعر ذمّا، ويكون ذمَّا فيجعله الشعر مدحا. قال حبيب الطائي في هذا المعنى:

ولولا خِلال سَنها الشِّعْر ما دَرى ... بُغاةُ النَّدَى من أين تُؤتى المَكارمُ

تُرى حكمة ما فيه وهو فُكاهة ... وَيقضي بما يقضي به وهْو ظالم

ألا تَرى إلى بني عبد المَدان الحارثيِّين كانوا يَفخرون بطُول أجسامهم وقديم شرفهم، حتى قال فيهم حسان بن ثابت:

لا بأسَ بالقَوم مِن طُول ومن غِلَظ ... جِسْم البِغال وأحلامُ الصَافير

فقالوا له: والله يا أبا الوليد لقد تَركْتَنا ونحن نَسْتحي من ذكر أَجسامنا بعدَ أن كُنَّا نَفخر بها. فقال لهم: سأصلح منكم ما أفسدت، فقال فيهم:

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account